لماذا تصر إيران على ربط حزب الله باتفاقها مع واشنطن؟

    • Author, سعید جعفري
    • Role, بي بي سي فارسي
  • Published
  • مدة القراءة: 13 دقائق

لو توقع أحد في أواخر فبراير/شباط أن يؤدي الهجوم الإسرائيلي-الأمريكي على إيران إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، يربط فيه المسؤولون الإيرانيون إعادة فتح مضيق هرمز بوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان، لما صدق ذلك على الأرجح إلا قلة.

لكن بعد نشر تفاصيل ورقة التفاهم بين طهران وواشنطن، اتضح أن للبنان دوراً بارزاً، سواء في نص الاتفاق أو في هوامشه.

في الواجهة، كانت القضية الرئيسية في هذا التفاهم إنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة، وإعادة فتح مسارات الملاحة، واحتواء الأزمة الاقتصادية الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، وتمهيد الطريق للمفاوضات النووية. لكن إيران أصرت على عدم ترك ساحة لبنان وجبهة حزب الله خارج هذا الإطار.

كان هذا الإصرار أشبه بالسير على حد السكين: فمن جهة، يمكن أن يضع إيران في موقع قوة، ومن جهة أخرى قد يؤدي إلى انهيار الاتفاق وعودة إطلاق النار في المنطقة.

لكن لماذا لا تريد إيران فصل حزب الله في لبنان عن اتفاق مع الولايات المتحدة؟

يبدو أن حزب الله، بالنسبة إلى إيران، ليس مجرد قوة عسكرية على حدود إسرائيل. فهذه الجماعة هي، في الوقت نفسه، جزء من أوراق الضغط التفاوضية لطهران، ورمز لمصداقية الجمهورية الإسلامية إقليمياً، وعنصر مهم في الطريقة التي ينظر بها أنصار النظام العقائديون إلى السياسة الخارجية لإيران.

ويطرح كثير من منتقدي السياسات الإقليمية للجمهورية الإسلامية في إيران أسئلة عن سبب استعداد طهران لتحمل خطر تعريض اتفاق مع الولايات المتحدة للخطر، من أجل الحفاظ على هذا الارتباط، خاصة في وقت يتعرض فيه الاقتصاد الإيراني لضغوط شديدة.

لكن مراجعة مواقف مسؤولي الجمهورية الإسلامية وتحليلات الخبراء تظهر أن المسألة، من وجهة نظر طهران، لا تتعلق بمستقبل حزب الله وحده، بل ترتبط أيضاً بنفوذ إيران الإقليمي، ومصداقية شبكة حلفائها، وتصور قادة الجمهورية الإسلامية لطبيعة المواجهة المقبلة مع إسرائيل والولايات المتحدة.

كيف دخل لبنان في مذكرة التفاهم؟

يرى منتقدو الاتفاق في واشنطن أن إدراج لبنان في مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة يعد أحد المؤشرات إلى أن طهران تمكنت من فرض بعض مطالبها على المسار الدبلوماسي.

ويرى منتقدون مثل مارك دوبويتز وجوناثان شانزر ومايكل دوران، ممن دعموا لسنوات سياسة أقصى الضغوط ضد الجمهورية الإسلامية، أن الاتفاق يشير إلى تراجع إدارة ترامب كثيراً أمام طهران. وفي رأيهم، قدمت الولايات المتحدة لإيران تنازلات تتجاوز وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، مقابل إعادة فتح مضيق هرمز واحتواء الأكلاف الاقتصادية للحرب.

ومن زاوية مختلفة، يتوصل مايكل يونغ، الزميل البارز في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، إلى خلاصة مشابهة. ويقول يونغ، في مقابلة مع بي بي سي، إن الولايات المتحدة تحتاج اليوم، أكثر من إيران، إلى نجاح المفاوضات، لأن إغلاق مضيق هرمز أو تقييد الملاحة فيه فرض كلفةً ثقيلةً على الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد العالمي.

وبحسب يونغ، "تتمتع إيران بموقع أقوى لأنها لا تزال قادرةً على إغلاق مضيق هرمز". ويرى أن طهران تريد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، لكن واشنطن، ودونالد ترامب خصوصاً، تحتاج إلى هذا الاتفاق أكثر.

وقد يكون هذا التصور أحد العوامل التي أتاحت لإيران إدخال لبنان أيضاً في المعادلة. فطهران تريد أن تضمن، إذا توقفت الحرب مع الولايات المتحدة، ألا تكون يد إسرائيل طليقةً في لبنان. ومن وجهة نظر صناع القرار في طهران، فإن اتفاقاً يخفف الضغط المباشر على إيران، بينما يبقي حزب الله عرضةً للهجمات الإسرائيلية، سيكون على الأرجح اتفاقاً غير مكتمل، لأنه يضعف واحدةً من أهم أدوات إيران في أي مواجهة مقبلة مع إسرائيل.

ما هو وضع حزب الله اليوم؟

يستمر إصرار إيران على حزب الله في وقت لم يعد فيه الحزب في الموقع الذي كان يشغله قبل حرب غزة. فعلى مدى العامين الماضيين، تلقى حزب الله ضربات قاسية من إسرائيل، من اغتيال زعيمه وعدد من قادته، واستهداف شبكة القيادة والسيطرة لديه، إلى تدمير جزء من بنيته العسكرية وفرض قيود على قدرته على المناورة في جنوب لبنان.

ويقول حميد رضا عزيزي، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، لبي بي سي فارسي: "حزب الله بات في وضع أضعف بكثير مقارنة بما كان عليه قبل حرب غزة. وأحد الأسباب التي دفعت إسرائيل إلى الاعتقاد بأنها قادرة على مهاجمة إيران بكلفة يمكن التحكم بها كان تحديداً هذا الضعف الذي أصاب حزب الله".

ويقول عزيزي إن حزب الله كان في السابق قوة تبدو أكبر من الجيش اللبناني وأقوى من جيوش كثيرة في المنطقة، إلا أن قدراته الصاروخية وبنيته القتالية تراجعتا بعد الحروب الأخيرة.

ويضيف: "حزب الله عاد اليوم، إلى حد ما، إلى الأسلوب الذي اعتمده في سنوات تأسيسه الأولى وخلال مواجهاته الأولى مع إسرائيل: بنية أكثر لامركزية، واعتماد على وحدات أصغر، وحرب غير متكافئة، واستخدام تقنيات جديدة مثل الطائرات المسيّرة بنظام الرؤية من منظور الشخص الأول FPV".

ويقدم مايكل يونغ تقييماً مشابهاً، إذ يقول إن حزب الله "تلقى ضربة قاسية"، ولم يعد ممكناً وصفه بأنه قوة تمتلك قدرة الردع السابقة نفسها. لكنه يشدد على أن الحزب لا يزال مهماً عسكرياً لإيران، لأنه يقع على حدود إسرائيل، ويمكنه في أزمات مقبلة أن يمنحها ورقة ضغط إضافية.

قوّة ردع أم ورقة ضغط؟

في السنوات الأخيرة، رأى كثير من المحللين أن حزب الله في لبنان تحديداً، و"محور المقاومة" على نطاق أوسع، شكلا جزءاً من استراتيجية الجمهورية الإسلامية لتعزيز قدرتها على الردع. واستندت هذه الاستراتيجية إلى ما يعرف بنظرية "الردع بالحرمان".

ووفق هذا النموذج، سعت إيران، بالاعتماد على شبكة حلفائها الإقليميين، ومنهم حزب الله، إلى زيادة كلفة أي عمل عسكري إسرائيلي أو أمريكي وتعقيده، وتعزيز قدرتها على الردع عبر إنشاء ما يشبه "طوقاً من النار" حول إسرائيل. وكان ينظر إلى حزب الله في لبنان، والجماعات العراقية، والحوثيين في اليمن، والقوى المتحالفة في سوريا، باعتبار كل منها جزءاً من حزام الضغط هذا.

لكن الضربات التي تلقاها في السنوات الأخيرة التيار المعروف باسم "محور المقاومة"، ولا سيما التطورات في سوريا وسقوط بشار الأسد، قطعت جزءاً مهماً من هذه السلسلة. وأدت هذه التطورات إلى إضعاف فاعلية نموذج "الردع بالحرمان" في استراتيجية إيران، ودفعت البلاد إلى الاعتماد بدرجة أكبر على نوع آخر من الردع، هو "الردع بالعقاب".

ويقول حميد رضا عزيزي في هذا السياق: "التطور المهم في السنوات الأخيرة هو أن وزن هذين النوعين من الردع في استراتيجية إيران قد تغيّر. فبينما كانت شبكة الجماعات الحليفة لإيران تعد في السابق الركيزة الأساسية لـ"الردع بالحرمان"، أصبحت القدرات الصاروخية والمسيّرة لإيران تؤدي الآن دوراً أكثر بروزاً في "الردع بالعقاب". وبعبارة أخرى، أصبحت القدرات الصاروخية والمسيّرة لإيران، وكذلك إمكانية تنفيذ هجمات مباشرة من الأراضي الإيرانية أو من جبهات لا تزال تتمتع بقدرة عملياتية، أكثر مركزيةً من السابق في استراتيجيتها للردع".

في هذا السياق، أصبح لحزب الله دور جديد في استراتيجية إيران. فقد لا يكون بعد الآن الركيزة الأساسية للردع، لكنه لا يزال جزءاً من آلية الضغط.

وبحسب عزيزي، تمكن حزب الله خلال الحرب الأخيرة من إشغال جزء من القدرة الدفاعية لإسرائيل، ما ساعد إيران على جعل هجماتها على إسرائيل أكثر تركيزاً في النصف الثاني من الحرب.

لكن مايكل يونغ يرى أن حزب الله لم تعد له "قيمة ردعية" بالنسبة إلى إيران. ويقول في هذا الصدد: "قيمة حزب الله اليوم تكمن أكثر في أنه يمنح إيران "أوراقاً إضافية" في أي مفاوضات محتملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل".

وبحسب يونغ، إذا استمر الوجود العسكري الإسرائيلي في لبنان، فسيحاول حزب الله مواصلة المقاومة في جنوب لبنان، وقد يتحول ذلك إلى ورقة ضغط لإيران في مواجهة إسرائيل.

ومع ذلك، يتفق الخبيران على نقطة واحدة: حزب الله لم ينته بالنسبة إلى إيران، ولا يزال قادراً على أداء دور كأداة ضغط لصالح الجمهورية الإسلامية.

وقف إطلاق النار بنظر طهران: نهاية الحرب أم مهلة لالتقاط الأنفاس؟

في هذه الظروف، يبرز أحد الأسئلة الرئيسية التي يطرحها كثير من منتقدي سياسة إيران: ما المخاطر التي قد يسببها الإصرار على دعم حزب الله لوقف إطلاق النار الهش والتفاهم القائم حالياً؟

فبينما يشدد المسؤولون الإيرانيون على ضرورة وقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان، فإنهم يدخلون في نهاية المطاف مقامرة صعبة: إذا واصلت إسرائيل هجماتها، سيكون على إيران أن ترد، ما يعني نهاية التفاهم، أو أن تتجاهلها، ما يعني تراجع مصداقيتها لدى قواها الداخلية الموالية، وكذلك لدى شبكة حلفائها الإقليميين.

وبناء على ذلك، يمكن على الأرجح فهم إصرار إيران على الحفاظ على حزب الله بصورة أفضل من خلال النظر إلى رؤية طهران لوقف إطلاق النار.

ففي أول رسالة نسبت إلى مجتبى خامنئي، الزعيم الجديد للجمهورية الإسلامية، بعد توقيع التفاهم، أشار إلى أن مسؤولي البلاد بذلوا "جهوداً كثيرة"، لكنه قال إن لديه "من حيث المبدأ، رؤية مختلفة".

وقد تعزز هذه الرؤية فكرة أن الاتفاق مع الولايات المتحدة، من وجهة نظر جزء من دوائر صنع القرار، لا يعني نهاية المواجهة. فرغم توقف الحرب في المرحلة الراهنة، لا يزال الصراع مع إسرائيل وانعدام الثقة بالولايات المتحدة قائمين. ومن هذا المنظور، قد يكون وقف إطلاق النار أقرب إلى مهلة لالتقاط الأنفاس منه إلى مصالحة استراتيجية.

ويتفق عزيزي مع هذا الرأي، إذ يقول: "هناك إدراك في طهران بأن الاتفاق الحالي قد لا يدوم طويلاً. ويعتقد بعض المسؤولين الإيرانيين أنه عاجلاً أم آجلاً، ستعيد إسرائيل، سواء بمفردها أو بالتنسيق مع الولايات المتحدة، فتح مسار الحرب".

وقد تفسر هذه النظرة سلوك إيران على نحو أفضل: فإذا كانت طهران تعتقد أن الاتفاق مؤقت وهش، فإن التخلي عن حزب الله قد تكون له تداعيات كبيرة على السياسة الإقليمية للجمهورية الإسلامية.

وقد ساهمت التطورات الأخيرة أيضاً في تعزيز هذا التصور، ومنها إعادة إغلاق مضيق هرمز رداً على الهجمات الإسرائيلية في لبنان. وينظر كثيرون إلى هذه الخطوة بوصفها رسالة من إيران مفادها أن توسع الصراع في لبنان قد يؤثر أيضاً في مصير التفاهم مع الولايات المتحدة.

هل تفوق تكلفة دعم حزب الله فائدته؟

لكن هذا الرأي لا يخلو من معارضين داخل إيران. فبينما يشدد مسؤولو الجمهورية الإسلامية على ضرورة الحفاظ على الربط بين ملف لبنان والمفاوضات مع الولايات المتحدة، يطرح بعض المنتقدين سؤالاً عما إذا كان ربط لبنان بالتفاهم مع واشنطن، في الظروف الحالية، يسبب لإيران أكلافاً تفوق فوائده.

ويجادل هذا التيار بأن الاقتصاد الإيراني، بعد سنوات من العقوبات والأزمات الداخلية وتكاليف الحرب الأخيرة، بات بحاجة إلى خفض التصعيد والانفتاح الاقتصادي أكثر من أي وقت مضى. ومن وجهة نظره، فإن تحويل لبنان إلى أحد الخطوط الحمراء في المفاوضات قد يزيد صعوبة التوصل إلى اتفاق يمكن أن يخفف بعض الضغوط الاقتصادية.

وقد طرح هذا الرأي خصوصاً بعد الحروب الأخيرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. ويتساءل عدد من المنتقدين عن سبب ربط مصير اتفاق يمكن أن يؤثر في الاقتصاد وحياة ملايين الإيرانيين بمستقبل حزب الله. ويرون أنه حتى إذا ظل حزب الله مهماً للجمهورية الإسلامية، فإن كلفة الحفاظ على هذا الارتباط قد تفوق فوائده.

ويقول المنتقدون أيضاً إن ربط مصير الاتفاق بملف لبنان قد يزيد حدة الاستياء الداخلي.

وبالتالي، قد يسبب إصرار الجمهورية الإسلامية على ربط لبنان بملف الاتفاق مع الولايات المتحدة أكلافاً كبيرة للحكومة نفسها. فليس من المستبعد أن تشهد البلاد موجة جديدة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة إذا لم يتحسن الوضع الاقتصادي بشكل ملموس في الأشهر المقبلة.

في المقابل، يرى مؤيدو النهج الحالي أن التخلي عن حزب الله قد تكون له أيضاً أكلاف طويلة الأمد. فمن وجهة نظرهم، قد يخفف اتفاق يتم التوصل إليه على حساب تقليص نفوذ إيران الإقليمي أو إضعاف أهم حليف إقليمي لها بعض الضغوط الاقتصادية على المدى القصير، لكنه سيضعف، على المدى الطويل، موقع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مواجهة إسرائيل وخصومها الإقليميين.

وفي الواقع، يتمحور أحد أبرز الانقسامات في النقاش الدائر حالياً في إيران حول هذه المسألة تحديداً: هل ينبغي أن تكون الأولوية للتخفيف الفوري من الضغوط الاقتصادية وتثبيت الاتفاق، أم للحفاظ على أدوات النفوذ الإقليمي التي ترى إيران أنها جزء من أمنها على المدى الطويل؟

حتى الآن، تبدو إجابة الحكومة واضحة. فإدراج لبنان في التفاهم مع الولايات المتحدة يظهر، على الأقل على مستوى صنع القرار الرسمي، أن إيران لا تزال ترى أن كلفة التخلي عن حزب الله أعلى من كلفة الحفاظ عليه. لكن مدى توافق هذا الحساب في الأشهر المقبلة مع الواقع الاقتصادي والسياسي في إيران يبقى سؤالاً قد يؤثر أيضاً في مصير الاتفاق بأكمله.

إذا نجح الاتفاق، لماذا سيبقى حزب الله مهماً؟

يرتكز جزء كبير من الجدل حول حزب الله على افتراض أن إيران تنظر إلى الاتفاق الحالي بعين الشك، وأن بعض الأطراف تراه أقرب إلى "هدنة مؤقتة" منه إلى نهاية للمواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن حتى إذا استبعدنا هذا التشاؤم الإيراني تجاه التفاهم، لا توجد حتى الآن أي مؤشرات على أن طهران مستعدة لإخراج حزب الله من المعادلة.

فالسبب هو أن حزب الله، في نظر الجمهورية الإسلامية، ليس مجرد أداة عسكرية أو ورقة ردع. ففي السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد تراجع نفوذ إيران في سوريا وتبدل موازين القوى الإقليمية، أصبح لبنان على نحو متزايد واحداً من أهم ساحات الحضور والنفوذ الإقليمي لإيران.

ويقول حميد رضا عزيزي، الباحث في شؤون الشرق الأوسط، لبي بي سي فارسي: "المسألة لا تتعلق بالردع فقط، بل بمستقبل إيران في المنطقة. فقد خلص قادة الجمهورية الإسلامية إلى أنه حتى إذا نجحوا في تجاوز الحرب الأخيرة، فإن هذا النجاح يفقد معناه إذا أدى إلى تراجع نفوذ إيران الإقليمي".

ولهذا السبب، لا تقتصر مسألة لبنان، من وجهة نظر إيران، على الحرب والسلام في اللحظة الراهنة. فالجمهورية الإسلامية ترى في حزب الله جزءاً من مكانتها الإقليمية؛ وهي مكانة تتيح لها لعب دور في تطورات الشرق الأوسط والحفاظ على أفضلية في مواجهة منافسيها الإقليميين والدوليين.

وفي إطار هذا التفكير وصنع القرار، لا يعني نجاح المفاوضات بالضرورة تراجع أهمية حزب الله. بل على العكس، إذا تبلور اتفاق دائم، فقد يصبح الحفاظ على النفوذ في لبنان أكثر أهمية، لأن وزن التنافس السياسي والجيوسياسي يزداد في ظل انخفاض مستوى التوتر العسكري. وبعبارة أخرى، من وجهة نظر الجمهورية الإسلامية، ليس حزب الله مجرد أداة في زمن الحرب، بل هو أيضاً جزء من موقع إيران الإقليمي في زمن السلم.

لكن المنتقدين يشككون أساساً في هذا الطرح، ولا يرون أن التركيز على توسيع شبكة إقليمية، على حساب تأجيج التوترات في الشرق الأوسط والعالم، أمر يمكن تبريره.

لبنان: اختبار لمصداقية إيران الإقليمية

ثمة زاوية أخرى ينبغي أخذها في الحسبان عند تحليل نظرة إيران إلى حزب الله، وهي تأثير أولويات الجمهورية الإسلامية تجاه الحزب على التيارات الأخرى ضمن ما يعرف بـ"محور المقاومة". بعبارة أخرى، قد يتحول أي تخلي محتمل من الجمهورية الإسلامية عن حزب الله إلى اختبار لمصداقيتها الإقليمية لدى جماعات مسلحة أخرى في المنطقة، وأن يخلق انطباعاً لدى حلفاء إيران بأن طهران قد تساوم عليهم في الاتفاقات الكبرى.

كما أن سلوكاً كهذا سيظهر لمنافسي إيران الإقليميين مقدار ما تبقى من نفوذها الإقليمي بعد الحروب الأخيرة.

وبالنسبة إلى كثير من صناع القرار داخل الحكومة، تلعب تجربة سوريا أيضاً دوراً في هذه الحسابات. فقد أدى تراجع موقع إيران في سوريا، وخسارة جزء من البنية التحتية الإقليمية للجمهورية الإسلامية، إلى زيادة أهمية لبنان أكثر من السابق. وفي مثل هذه الظروف، يرى بعض المراقبين أن إيران لا تريد خسارة آخر حلقة مهمة من نفوذها في شرق المتوسط.

بالنسبة للجمهورية الإسلامية في إيران، حزب الله ليس مجرّد سياسة خارجية

في السنوات الأخيرة، اتسعت الفجوة بين الحكومة وشريحة واسعة من المجتمع الإيراني، بفعل السياسات الداخلية والضغوط الاقتصادية وقمع الاحتجاجات.

وللحفاظ على تماسكها، اعتمدت الحكومة أكثر من السابق على قاعدتها الموالية ذات التوجه العقائدي، وهي قاعدة ترى في دعم حزب الله و"محور المقاومة" جزءاً من هويتها السياسية.

ويصف عزيزي هذا الوضع بالقول: "بالنسبة إلى القيادة الجديدة في الجمهورية الإسلامية، يشكل ضغط المتشددين في الداخل عاملاً مهماً. فهذه التيارات غير راضية عن الاتفاق مع الولايات المتحدة، ولا عن الوضع على الجبهة اللبنانية. لذلك، قد يفسر أي تراجع صريح عن حزب الله داخل إيران بوصفه علامة ضعف".

وهذا ما يجعل القرار أكثر تعقيداً. فمن جهة، تريد شريحة واسعة من المجتمع الإيراني إنهاء الحرب وتخفيف الضغوط الاقتصادية؛ ومن جهة أخرى، تتوقع الشريحة الموالية والعقائدية من الجمهورية الإسلامية ألا تتراجع عن حزب الله وحلفائها. ونتيجة لذلك، يجد التفاهم مع الولايات المتحدة نفسه مضطراً إلى خلق توازن بين هذين الضغطين.

هل تستطيع الولايات المتحدة التحكّم بإسرائيل؟

لكن معادلة لبنان تضم لاعباً مهماً آخر هو إسرائيل. فبعض أوساط المؤسسة السياسية والأمنية في إسرائيل تنظر إلى هذا التفاهم بعين الشك، وقد لا تقبل ببعض قيوده، حفاظاً على حرية عمل إسرائيل في لبنان.

ومن المرجح أن إصرار المسؤولين الإيرانيين على إدراج لبنان يمنح إسرائيل أداة أبسط بكثير مما كان عليه الأمر في الاتفاق النووي قبل عقد من الزمن. فاستمرار الهجمات الإسرائيلية في جنوب لبنان قد يضع إيران أمام خيار صعب.

لكن السؤال الأهم هو ما إذا كانت الولايات المتحدة تريد، أو تستطيع، كبح إسرائيل عن القيام بخطوات كهذه.

ويرى مايكل يونغ أن الولايات المتحدة لا تريد للبنان أن يعرقل المفاوضات مع إيران. ويقول: "إن واشنطن، وترامب شخصياً، بحاجة إلى الاتفاق، لأن أزمة مضيق هرمز والتكاليف الاقتصادية للحرب زادت الضغوط السياسية الداخلية على الإدارة الأمريكية. قد ترغب إسرائيل في تقويض مسار المفاوضات، لكن لكي تنجح هذه المفاوضات، على الولايات المتحدة أن تراقب سلوك إسرائيل في لبنان".

ولا ترى إسرائيل نفسها طرفاً في الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة، وقد شددت مراراً على أنها تحتاج إلى حرية العمل في لبنان من أجل أمنها. وفي المقابل، يؤكد المسؤولون الإيرانيون أن استمرار الوجود أو تواصل الهجمات في لبنان قد يعد انتهاكاً للتفاهم. وبناء على ذلك، يبقى السؤال قائماً: هل تستطيع الولايات المتحدة تحقيق توازن بين مطالب إسرائيل وشروط إيران؟

مخاطر سوء التقدير

قد يكون لإصرار إيران على إدراج حزب الله ولبنان في التفاهم مع الولايات المتحدة منطق استراتيجي من وجهة نظر الحكومة في إيران؛ فالبلاد لا تريد التخلي عن أهم أدواتها الإقليمية بعد الحرب. وعلى الرغم من أن حزب الله ضعف، فإنه لا يزال، بالنسبة إلى إيران، جزءاً من أوراق ضغطها، ومصداقيتها الإقليمية، وطريقة إدارتها لأي مواجهة مستقبلية مع إسرائيل.

لكن هذا المنطق نفسه قد يكون خطيراً. فقد يستنتج المسؤولون الإيرانيون أن واشنطن ستتراجع في نهاية المطاف، لأن ترامب يحتاج إلى الاتفاق، ولأن إغلاق مضيق هرمز يفرض تكاليف باهظة. وقد يشجع هذا التصور إيران على رفع مستوى الضغط. وفي المقابل، قد تستنتج إسرائيل أيضاً أنها قادرة على مواصلة عملياتها في لبنان من دون تحمل كلفة كبيرة، ما قد يعرّض الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة للانهيار.

وقد يدفع هذا الوضع جميع الأطراف إلى حلقة تصعيدية، لا يسعى فيها أي طرف إلى حرب أوسع، لكن كل طرف، مدفوعاً باعتقاده أنه صاحب اليد العليا، يدفع الأزمة خطوة إضافية إلى الأمام.

لذلك، لا يتوقف مصير التفاهم بين إيران والولايات المتحدة على البرنامج النووي أو مضيق هرمز فقط. فقد يكون جنوب لبنان أيضاً أحد أهم ميادين اختباره. ويمكن للبنان أن يكون، في الوقت نفسه، نقطة لتثبيت هذا التفاهم، ومكاناً قد يؤدي فيه سوء التقدير إلى إعادة العملية الدبلوماسية نحو الأزمة.

وسيتوقف ما إذا كانت هذه الحسابات ستؤدي في النهاية إلى تثبيت الاتفاق أو إلى أزمة جديدة، إلى حد كبير، على سلوك إسرائيل في لبنان، ومدى مرونة الولايات المتحدة في المفاوضات، وقدرة إيران على إدارة الضغوط الداخلية والإقليمية في آن واحد.