كيف سيبدو البشر في المستقبل؟

    • Author, كاثرين هيثوود
    • Role, خدمة بي بي سي العالمية
  • Published
  • مدة القراءة: 6 دقائق

هل لا يزال الإنسان يخضع للتطور؟ وهل قد تصبح الأجيال القادمة منا أقصر أو أطول قامة، أو تحمل سمات جسدية مختلفة، أو حتى تُصمَّم وراثياً وفق مواصفات محددة؟

مع تطور الحضارة، تراجعت كثير من الضغوط التي فرضها الانتقاء الطبيعي وشكّلت جنسنا البشري عبر آلاف السنين، مثل الأمراض، والمجاعات، والظروف البيئية القاسية، وذلك بفضل التقدم في الطب، وتحسن أنظمة الصرف الصحي، وتوافر الغذاء بشكل أكثر انتظاماً.

لكن الدكتور جيسون هودجسون، عالم الأنثروبولوجيا والوراثة التطورية في جامعة أنجليا راسكن في المملكة المتحدة، يؤكد أن التطور لا يزال مستمراً اليوم، "بلا أدنى شك".

ويضيف أن الدليل على ذلك هو أن بعض الجينات أصبحت أكثر شيوعاً لدى مجموعات سكانية معينة. غير أن هذه العملية تمتد عبر أجيال عديدة، ولذلك "لن يشهد أي شخص تغيراً تطورياً خلال فترة حياته".

التنوع البشري

تقول بريانا بوبينر، عالمة الأنثروبولوجيا القديمة في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي التابع لمؤسسة سميثسونيان في الولايات المتحدة، إن النظام الغذائي لعب دوراً رئيسياً في التطور الحديث للإنسان.

وتوضح: "نحو ثلث سكان العالم اليوم يستطيعون هضم الحليب في مرحلة البلوغ، بينما قبل ما بين خمسة وعشرة آلاف عام، لم يكن أحد تقريباً قادراً على ذلك. ويُعد هذا تغيراً تطورياً سريعاً للغاية".

وتضيف أن هذا التغير جاء بعدما بدأ البشر بتربية الحيوانات المنتجة للألبان. وخلال فترات المجاعة، كان الأشخاص القادرون على هضم الحليب، الغني بالدهون والبروتينات، أكثر قدرة على البقاء على قيد الحياة ونقل هذه الجينات إلى أبنائهم، وهو ما أدى إلى انتشارها "بسرعة كبيرة"، بحسب بوبينر.

ولم يقتصر تأثير العوامل البيئية في تطور الإنسان على هذه المرحلة، بل يعود إلى عصور أقدم بكثير أيضاً.

عندما هاجر البشر من أفريقيا إلى مناطق مختلفة من العالم قبل آلاف السنين، واجهوا ظروفاً مناخية متنوعة، ما أدى إلى ظهور تكيفات جسدية جديدة ساعدتهم على التأقلم مع بيئاتهم المختلفة.

فعلى سبيل المثال، تطور لون البشرة الفاتح في المناطق التي يقل فيها التعرض للأشعة فوق البنفسجية، بما يساعد الجسم على إنتاج فيتامين "د".

ويشرح هودجسون أن هذا التنوع المحلي نشأ "نتيجة ابتعاد المجموعات البشرية عن بعضها البعض". ويضيف: "أما اليوم، فقد اجتمعنا مجدداً بطرق مختلفة، من خلال الهجرة والعولمة وغيرهما".

وقد تعني هذه العولمة تراجع التباين البيولوجي بين البشر مع مرور الوقت، لكن الصورة ليست بهذه البساطة.

ويجري هودجسون أبحاثاً حول ما يُعرف بـ"التزاوج الانتقائي"، وهي ظاهرة يصفها بأنها "ميل الكائنات الحية إلى اختيار شركاء يشبهونها أكثر من غيرهم".

يقول هودجسون إن التزاوج الانتقائي يمكن أن "يعزّز بقوة" أي عملية انتقاء طبيعي جارية أصلاً، بما يساعد على ترسيخ سمات معينة داخل مجموعة سكانية.

فقد لاحظ الباحثون، على سبيل المثال، أنه "كلما كان الشخص أطول قامة، زادت احتمالات أن يكون شريك حياته أطول قامة أيضاً".

ويضيف: "ثبت أن الطول والوزن وبنية الوجه، وغيرها من السمات، تخضع للتزاوج الانتقائي في بعض المجموعات دون غيرها"، وهو ما "يؤثر في نهاية المطاف في تواتر الجينات".

ويعود بعض ذلك إلى أسباب اجتماعية وثقافية، مثل الزواج داخل المجموعة العرقية نفسها. وقد تكون هذه العوامل آخذة في التغير لدى بعض المجموعات السكانية.

ويقول هودجسون: "هناك الكثير والكثير من العوامل التي تؤثر في تطور الإنسان طوال الوقت".

"بين أيدي البشر"

لكن هناك بعض الخيارات التي نتخذها ولا تؤثر في التطور.

فعلى سبيل المثال، تقول بوبينر: "إذا ذهبت إلى صالة الألعاب الرياضية ومارست التمارين وبنيت عضلات كبيرة، فهذا لا يعني بالضرورة أنك ستنقل جينات العضلات الكبيرة إلى أبنائك".

ومن تقويم الأسنان إلى الإجراءات التجميلية، بات بالإمكان اليوم تعديل كثير من السمات خلال حياة الفرد نفسه، بحيث تُشكَّل وفق تفضيلات اجتماعية لا وفق الانتقاء الطبيعي.

وعلى مستوى العالم، أُجري نحو 38 مليون إجراء تجميلي جراحي وغير جراحي في عام 2024، بحسب الجمعية الدولية لجراحة التجميل. ويمثل ذلك زيادة بنسبة 40 في المئة مقارنة بعام 2020.

ويقول توماس مايلوند، الأستاذ المشارك السابق في المعلوماتية الحيوية في جامعة آرهوس في الدنمارك، إن هذه القدرة المتزايدة على إعادة تشكيل مظهرنا تعني أن "هيئتك لم تعد تعكس بالضرورة ما تقوله جيناتك إنها ينبغي أن تكون عليه".

وفي المستقبل، قد لا تقتصر التغييرات على المظهر الخارجي فحسب، إذ يستخدم العلماء تقنية تُعرف باسم كريسبر (CRISPR) لتحرير الجينات البشرية.

وتعمل هذه التقنية أساساً كمقص جزيئي موجَّه: إذ يتولى أحد مكوناتها تحديد الجزء المستهدف من الحمض النووي، بينما يقوم المكون الآخر بتعديله. وقد شهدت التقنية تطوراً ملحوظاً، وبدأ استخدامها بالفعل في علاج عدد محدود من الأمراض الوراثية، مثل بعض اضطرابات الدم.

وإذا استمرت في التطور وأصبحت متاحة على نطاق واسع، فقد يصبح من الممكن نظرياً، يوماً ما، تعديل مزيد من الصفات البشرية على المستوى الجيني، ليس تدريجياً عبر أجيال متعاقبة، بل بصورة مقصودة وفي خطوة واحدة.

وإذا أُجريت هذه التعديلات على الخلايا الجنسية، أي تلك التي تتطور إلى حيوانات منوية أو بويضات، فقد تنتقل التعديلات الجينية إلى الأجيال المقبلة أيضاً.

غير أن العلماء ما زالوا بعيدين عن القدرة على تنفيذ ذلك بأمان مع ضمان النتائج، كما تثير هذه التقنية مخاوف أخلاقية عديدة، من بينها احتمال إنتاج ما يُعرف بـ"الأطفال المصممين وراثياً"، فضلاً عن تكريس الوصمة المرتبطة بالإعاقة، إلى جانب هواجس أخرى كثيرة.

ويقول هودجسون: "يكاد يكون هناك اتفاق عام اليوم على أن هذا ليس أمراً يمكن تطبيقه على البشر، وسيكون غير أخلاقي تماماً".

لكنه يتوقع أن يتغير ذلك في المستقبل.

ويقول: "خلال خمسة آلاف عام... أعتقد أن الأمر سيتجه على الأرجح في الاتجاه المعاكس. سيأتي وقت تنقلب فيه المسألة من اعتبار تعديل الجينوم أمراً غير أخلاقي، إلى أن يصبح عدم القيام به أمراً غير أخلاقي، لأننا سنكون قادرين على القضاء على أمور مثل الأمراض الوراثية".

وإذا أصبحت هذه التقنية متاحة على نطاق واسع، فقد تمنح الآباء حتى خيار تحديد شكل أطفالهم عبر تعديل الجينات لاختيار صفات مرغوبة.

ويضيف: "أعتقد أن مستقبل تطور الإنسان، بالمعنى الواسع، سيتحول فعلاً إلى شيء يصبح بين أيدي البشر، لكننا لسنا قريبين إطلاقاً من تلك المرحلة". ومع أن كثيراً لا يزال مجهولاً بشأن هذه التقنية، يضيف: "آمل ألا أرى أياً من ذلك خلال حياتي".

نوع جديد؟

يقول مايلوند إنه من المستحيل التنبؤ بالشكل الذي سيبدو عليه البشر في المستقبل من دون معرفة كيف ستتغير بيئتنا.

وإذا كنا نتحدث عن مستقبل بعيد جداً، فقد نكون قد تحولنا حتى إلى نوع جديد.

فقبل مليون عام، كانت أنواع بشرية مثل الإنسان المنتصب تجوب الكوكب. أما نوعنا الحالي، الإنسان العاقل، فلم يظهر إلا قبل نحو 300 ألف عام.

ويقول مايلوند: "لذا، انتظروا مليون سنة، وسيكون أحفادنا قد ابتعدوا عنا تطورياً بقدر ما يبتعد عنا الإنسان المنتصب".

ومع ذلك، يحذر من أن الاختلافات بين الأنواع قد تكون أقل وضوحاً مما نعتقد.

ويقول: "لست متأكداً من أننا كنا سنلاحظ أن شخصاً ما مختلف جذرياً لو كان من الإنسان المنتصب".

بل من الممكن أيضاً أن ينقسم نوعنا إلى نوعين، إذا استقر بعضنا، مثلاً، في بيئة جديدة مثل الفضاء.

ويقول مايلوند: "إذا عشت على القمر، فهناك جاذبية منخفضة. وعلى المريخ أيضاً الجاذبية منخفضة. وسيكون عليك التكيف مع ذلك".

ولكي نرى فعلاً نوعاً جديداً يتطور، ستحتاج هذه المجموعات إلى أن تكون معزولة تماماً عن سكان الأرض على مدى أجيال كثيرة.

لكن ماذا لو لم نترك التطور للصدفة أصلاً؟

فمع إمكان تغيير جيناتنا باستخدام التكنولوجيا، يرى مايلوند أن "السؤال الحقيقي هو: ماذا سنختار؟ لا: ماذا ستفعل بنا البيولوجيا؟".