دقيقة حركة كل ساعة، هل تحمينا من مخاطر الجلوس الطويل؟

    • Author, هيفار حسن
    • Role, بي بي سي نيوز عربي
  • Published
  • مدة القراءة: 6 دقائق

في وقتٍ بات العمل والتواصل والترفيه يعتمد بشكل متزايد على الشاشات، يظن كثيرون أن تخصيص نحو ساعة يومياً لممارسة الرياضة يكفي لدرء مخاطر نمط الحياة الخامل على الصحة.

لكن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن قضاء ساعات طويلة في الجلوس قد يحمل مخاطر صحية لا يمكن للرياضة وحدها أن تمحوها بالكامل. فقد كشفت دراسة نُشرت في أبريل/نيسان 2026 في مجلة Nature Communications، أن زيادة عدد الخطوات اليومية قد تخفف بعض المخاطر الصحية المرتبطة بالجلوس لفترات طويلة، لكنها لا تقضي عليها بالكامل.

كانت النتائج لافتة بشكل خاص في ما يتعلق بأمراض القلب والأوعية الدموية الخطيرة، مثل مرض الشريان التاجي وفشل القلب، إذ أظهرت الدراسة أنه حتى المستويات المرتفعة من النشاط البدني قد لا تكون كافية لتعويض الأضرار المرتبطة بالجلوس لفترات طويلة والخمول المفرط. ويرتبط هذا النمط من الحياة بعدد من التغيرات الفسيولوجية الضارة، من بينها مقاومة الإنسولين، وضعف وظائف الأوعية الدموية، وتراجع كفاءة القلب والعضلات، إضافة إلى زيادة الدهون الحشوية وارتفاع مستويات الالتهاب في الجسم.

ماذا يحدث داخل الجسم فسيولوجياً عند الجلوس لفترات طويلة؟

عند الجلوس لساعات متواصلة، يتباطأ تدفق الدم، خصوصاً في الساقين، نتيجة ثني مفاصل الورك والركبة والضغط على الأوعية الدموية، ما يؤدي إلى اضطراب الدورة الدموية وتجمع الدم في الأطراف السفلية، هكذا قال لي كيث دايز، اختصاصي فسيولوجيا التمارين الرياضية والباحث في صحة القلب والأوعية الدموية في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة.

يقول دايز لبي بي سي عربي: "قد يُسبب هذا الاضطراب أضراراً كبيرة للأوعية الدموية، كما تصبح العضلات في حالة خمول، وعندما يقل نشاط العضلات، تتراجع حاجتها إلى الدم الغني بالأكسجين، فتستجيب الأوعية الدموية بالانقباض، ما يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم. لذلك، فإن وضعية الجلوس نفسها، إلى جانب خمول العضلات الناتج عن الجلوس لساعات طويلة، قد يؤثران سلباً في تدفق الدم ومستويات ضغط الدم".

يرى الدكتور أندرو كرنوهان، استشاري الغدد الصماء ومدير عيادة The Weight Loss Medics في المملكة المتحدة، أن أبرز المشكلات التي يواجهها الناس تتمثل "في ارتفاع خطر الإصابة بالسمنة وداء السكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأوعية الدموية، وغالباً ما تترافق هذه الحالات معاً".

ويقول لبي بي سي عربي: "تلعب العضلات دوراً محورياً في تنظيم سكر الدم وحساسية الإنسولين أثناء النشاط البدني، بينما يؤدي الخمول لفترات طويلة إلى انخفاض امتصاص الغلوكوز في العضلات وارتفاع مستويات سكر الدم، ويرتبط ذلك بمقاومة الإنسولين، إضافة إلى اضطراب استقلاب الدهون وزيادة احتمال تخزين الطاقة على شكل دهون لدى الأشخاص الذين يتبعون نمط حياة خاملاً".

لماذا لا تكفي التمارين الرياضية وحدها؟

عندما يقضي شخص ما ساعة في ممارسة أي نوع من الرياضة، ثم تتبعها فترات طويلة من الخمول البدني، فإن إجمالي نشاطه اليومي يظل منخفضاً بحسب دراسات عدة. فالجلوس أمام شاشة الكمبيوتر من ثماني إلى عشر ساعات، ثم الجلوس في وسائل النقل، يعقبه استرخاء طويل في المنزل أمام شاشات التلفاز أو الهاتف، كلها أنشطة تصنف ضمن نمط الحياة الخامل الذي يرتبط بعدة آثار سلبية على صحة الجسم.

يقول كيث دايز، إن الجلوس لفترات طويلة يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المزمنة والوفاة المبكرة، بغض النظر عن ممارسة الرياضة، مضيفاً أنه حتى رواد الصالات الرياضية المنتظمين بحاجة إلى الانتباه إلى مقدار الوقت الذي يقضونه جالسين خارج أوقات التمرين".

ويتابع: "لكنْ ثمة جانب دقيق ينبغي أن أؤكد عليه، ألا وهو أن ممارسة الرياضة بلا شك من أهم السلوكيات الصحية على الإطلاق، ويظل خطر الإصابة بأمراض القلب والوفاة أقل لدى من يمارسون الرياضة مقارنةً بمن لا يمارسونها ويقضون يومهم في الجلوس. لذا، ينبغي الجمع بين ممارسة الرياضة والحركة المتكررة على مدار اليوم للحصول على نتائج أفضل".

ولا يخفى أن نمط الحياة الخامل بات أكثر شيوعاً في السنوات الأخيرة، لا سيما مع ازدياد نمط العمل عن بُعد والاعتماد على التكنولوجيا والشاشات بكثرة.

يرى كرنوهان إنه رغم الالتزام بتوصيات هيئة الخدمات الصحية البريطانية في المشي من 30 دقيقة إلى ساعة يومياً، إلا أن هناك فوائد إضافية يُمكن جنيها بإضافة بعض تمارين المقاومة، التي ستساهم في الحد من حالة الخمول.

المزيد من التمارين أم الحركة بشكل متكرر؟

مع تزايد الأدلة العلمية، بدأ الخبراء بإعادة صياغة رسائل الصحة العامة. فبدلاً من التركيز فقط على التمارين الرياضية المنظمة، بات الاهتمام يتجه أيضاً إلى تقليل وقت الجلوس وتوزيع الحركة على مدار اليوم.

وهنا تبرز فكرة "فترات حركة بسيطة"، أو ما يعرف بالانجليزية بـ (Movement snacks)، وهي فترات قصيرة من النشاط، تستغرق من دقيقة إلى ثلاث دقائق فقط كل ساعة على مدار اليوم.

ويؤكد كرنوهان على "ضرورة إضافة فترات قصيرة من النشاط البدني إلى حياتك اليومية، وليس بالضرورة أن تكون عالية الكثافة".

أما كيث دايز، الذي قاد بحثاً حول تأثير الجلوس الطويل في مركز إيرفينغ الطبي التابع لجامعة كولومبيا، يقول لبي بي سي عربي إنه وفريقه توصلا إلى أن "المشي الخفيف لمدة خمس دقائق كل نصف ساعة يقلل من ارتفاع نسبة السكر في الدم بعد تناول الطعام بنسبة تقارب 60 في المئة، ويخفض ضغط الدم بمقدار أربع إلى خمس نقاط مقارنةً بالجلوس طوال اليوم. فضلاً عن فوائد الصحة النفسية. فقد قلل المشي الخفيف لمدة خمس دقائق كل نصف ساعة من الشعور بالتعب وحسّنَ المزاج ومنح المشاركين شعوراً بمزيد من النشاط".

لكن تطبيق هذا الأمر في بيئات العمل قد يبدو صعباً، خصوصاً مع ضغط الاجتماعات أو طبيعة الوظائف المكتبية.

دايز يقول إن الخبر السار هو أن "المشي الخفيف لمدة دقيقة واحدة فقط كل ساعة يمكن أن يخفض ضغط الدم بمقدار خمس نقاط، وهو كافٍ لتحسين المزاج وتقليل الشعور بالتعب، لكن ربما لا يكون كافياً لمن يحتاج إلى مراقبة مستويات السكر في الدم أو ضبطها".

ويضيف: "من المهم هنا أن سرعة المشي التي نستخدمها في دراساتنا المخبرية بطيئة نسبياً، حيث تبلغ 2.0 ميل في الساعة، وكأنك في نزهة، لذلك لا داعي للجري السريع أو صعود الدرج أو حتى المشي بسرعة. المهم هو أن أجسامنا تحتاج ببساطة إلى جرعات صغيرة من الحركة غير المرهقة موزعةً على مدار اليوم".

قدمت منظمة الصحة العالمية توصيات صحية عامة بشأن النشاط البدني والسلوك الخامل للأطفال والمراهقين والبالغين وكبار السن، وحددت خطة العمل العالمية للنشاط البدني 2018-2030 هدفاً لخفض الخمول البدني بنسبة 15 في المئة بحلول عام 2030.

لذلك، قد لا يكون الحل في تخصيص ساعة واحدة للرياضة يومياً بقدر ما يكمن في إعادة التفكير بطريقة تحركنا طوال اليوم. فالأدلة العلمية المتزايدة تشير إلى أن الجسم البشري لم يُصمم للبقاء ساكناً لساعات طويلة، حتى لدى الأشخاص الذين يلتزمون بممارسة التمارين الرياضية بانتظام. لكن يبدو أن الرسالة الجديدة التي يحاول الخبراء إيصالها الآن هي بسيطة ظاهرياً لكنها جوهرية، ألا وهي: دقيقة مشي أو الوقوف لبضع لحظات كل ساعة، تبدو خطوات صغيرة لكنها قد تُحدث فرقاً كبيراً لصحة الإنسان على المدى الطويل.