استقلال الهند وباكستان: لماذا تحتفل الدولتان بالاستقلال في يومين مختلفين؟

أطفال المدارس يلوحون بالعلم الوطني الهندي ثلاثي الألوان بعد أن تبللت ملابسهم بالمطر في كلكتا، 15 أغسطس/آب 2001، خلال احتفالات عيد الاستقلال. يُحتفل بعيد الاستقلال بذكرى نهاية الحكم الاستعماري البريطاني عام 1947.

صدر الصورة، Getty Images

    • Author, هشام الجرايشة
    • Role, بي بي سي نيوز عربي
  • Published
  • مدة القراءة: 5 دقائق

في الرابع عشر من أغسطس/آب من كل عام، تكتسي شوارع باكستان باللونين الأخضر والأبيض، وترفع الأعلام فوق المباني الحكومية احتفالاً بالاستقلال، وبعد ساعات، تتبعها جارتها الهند في الخامس عشر من الشهر نفسه.

يبدو الأمر وكأن باكستان استقلت أولاً، ثم لحقت بها الهند في اليوم التالي، لكن الوثيقة التي أنهت الحكم البريطاني تقول بوضوح إن الدولتين ستولدا قانونياً في اليوم نفس.

فلماذا أصبح الرابع عشر من أغسطس/ آب عيد استقلال باكستان، بينما احتفظت الهند بالخامس عشر؟

الجواب المختصر هو أن التاريخ الأول ارتبط بمراسم تسليم السلطة في كراتشي، أما الثاني فهو التاريخ الذي حدده القانون البريطاني رسمياً، ومع مرور الوقت، تحول يوم المراسم في باكستان إلى ذكرى وطنية، بينما التزمت الهند بالموعد القانوني.

استقلال واحد في نص القانون

في 18 يوليو/تموز 1947، أقر البرلمان البريطاني "قانون استقلال الهند"، الذي نص بوضوح على أنه "اعتباراً من الخامس عشر من أغسطس/ آب 1947" تُنشأ دولتان مستقلتان باسم الهند وباكستان.

ولا يترك نص المادة الأولى مساحة كبيرة للالتباس القانوني؛ فقد سُمّي 15 أغسطس "اليوم المحدد" لقيام الدولتين، وليس الهند وحدها، كما أكدت مناقشات البرلمان البريطاني آنذاك أن الهند وباكستان ستصبحان دولتين مستقلتين اعتباراً من ذلك التاريخ.

جاء القانون بعد سنوات من المطالبة بإنهاء الاستعمار البريطاني، وفي ظل خلاف متزايد بين حزب المؤتمر الوطني الهندي، الذي قاد جانباً كبيراً من حركة الاستقلال، والرابطة الإسلامية بزعامة محمد علي جناح، التي طالبت بدولة منفصلة للمسلمين.

وفي فبراير/شباط 1947، أعلنت حكومة رئيس الوزراء البريطاني كليمنت أتلي أنها ستنقل السلطة إلى أبناء الهند بحلول يونيو/حزيران 1948 على أبعد تقدير، لكن لويس ماونتباتن، آخر نائب للملك في الهند، قدم الموعد إلى أغسطس/آب 1947.

وفي الثالث من يونيو/حزيران، أُعلنت الخطة التي قادت إلى تقسيم الهند البريطانية، ثم نال قانون الاستقلال الموافقة الملكية بعد نحو ستة أسابيع. وبموجبه، قامت دولتان مستقلتان هما الهند وباكستان.

وتألفت باكستان من جناحين منفصلين جغرافياً: جناح غربي ضم عدة أقاليم، وجناح شرقي كان اسمه الرسمي آنذاك "البنغال الشرقية"، قبل أن يُسمى "باكستان الشرقية" عام 1955، ثم يستقل باسم بنغلاديش عام 1971.

نائب الملك اللورد لويس ماونتباتن

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، أعلن نائب الملك اللورد لويس ماونتباتن استقلال الهند

لماذا اختير 15 أغسطس/ آب؟

بحسب الرواية التي قدمها ماونتباتن في وقت لاحق، فإن اختيار 15 أغسطس/ آب جاء بسبب موافقته الذكرى الثانية لإعلان اليابان قبول الاستسلام في الحرب العالمية الثانية عام 1945، حين كانت تقود قوات الحلفاء في جنوب شرقي آسيا.

لكن اختيار موعد قريب إلى هذا الحد أثار مخاوف حتى داخل البرلمان البريطاني.

ففي مناقشات يوليو/تموز 1947، تساءل نواب عن إمكانية إنجاز تقسيم بلد بهذه الضخامة، وترسيم حدوده وتوزيع مؤسساته وأمواله وقواته المسلحة، خلال أسابيع قليلة فقط.

عندما بدأت احتفالات الاستقلال، كانت لجنتا رادكليف قد فرغتا من ترسيم الحدود النهائية، لكن نتائج عملهما لم تكن قد أُعلنت للسكان، ولم تُنشر "حدود رادكليف"، التي قسمت إقليمي البنجاب والبنغال، إلا في 17 أغسطس/آب، بعد قيام الدولتين، ليكتشف كثيرون أن مدنهم وقراهم أصبحت ضمن دولة لم يكونوا يعلمون أنهم سيصبحون جزءاً منها.

نائب للملك واحتفالان

كان على ماونتباتن، بوصفه آخر نائب للملك وممثل التاج البريطاني، أن يشارك في مراسم نقل السلطة إلى الدولتين، لكنه لم يكن يستطيع حضور احتفالين متزامنين في كراتشي ونيودلهي.

لذلك وصل إلى كراتشي، عاصمة باكستان آنذاك، في 13 أغسطس/ آب، وفي اليوم التالي، خاطب الجمعية التأسيسية الباكستانية وشارك في مراسم نقل السلطة، بعدها ذهب إلى نيودلهي لحضور احتفالات الهند.

واللافت أن ماونتباتن استخدم في خطابه في كراتشي يوم 14 أغسطس/ آب صيغة المستقبل، قائلاً إن حكومة دولة باكستان الجديدة ستصبح في أيدي قادتها "غداً"، وكان يشير بذلك إلى 15 أغسطس/ آب، وهو موعد دخول قانون الاستقلال حيز التنفيذ.

وبذلك جرت المراسم الأهم في باكستان في الرابع عشر من أغسطس/ آب.

أما في نيودلهي، فاجتمعت الجمعية التأسيسية الهندية مساء 14 أغسطس/ آب، وقبيل منتصف الليل، ألقى جواهر لال نهرو خطابه الشهير المعروف باسم "موعد مع القدر"، ثم بدأت الهند يومها الأول دولة مستقلة مع دخول الخامس عشر من أغسطس/ آب.

لوّح الشعب الباكستاني بعلمه الوطني احتفالاً بذكرى استقلال بلاده خلال مظاهرة في روالبندي، 13 أغسطس/آب 2003. وتحتفل جمهورية باكستان الإسلامية، التي انفصلت عن الهند الخاضعة للحكم البريطاني عام 1947، بالذكرى السادسة والخمسين لاستقلالها في 14 أغسطس/آب، وسط انفراجة غير مسبوقة في العلاقات مع الهند، خصمها اللدود، وسلسلة من مبادرات حسن النية بين الشعب الباكستاني وأعضاء البرلمان.

صدر الصورة، Getty Images

ماذا قال أول حاكم لباكستان؟

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

يقول محمد علي جناح، مؤسس باكستان وأول حاكم عام لها، في رسائله إلى مواطني الدولة الجديدة، إن 15 أغسطس/ آب "ميلاد دولة باكستان المستقلة وذات السيادة"، وهذا يتوافق مع التاريخ الوارد في قانون الاستقلال، ويشير إلى أن الخامس عشر كان يُنظر إليه في البداية باعتباره الموعد الرسمي لقيام الدولة.

وتظهر قرائن أخرى أن تاريخ الاستقلال لم يكن مستقراً تماماً في الذاكرة الرسمية خلال الشهور الأولى، فعندما أصدرت باكستان أول مجموعة من الطوابع التذكارية لاستقلالها في يوليو/تموز 1948، حملت الطوابع عبارة "15 أغسطس 1947"، لا 14 أغسطس/ آب، بحسب ما نقلت صحيفة دون الباكستانية.

لكن الاحتفال بالذكرى السنوية الأولى أُقيم في 14 أغسطس/ آب 1948، وتشير وسائل صحفية باكستانية إلى أن مجلس الوزراء، برئاسة لياقت علي خان، ناقش في يونيو/حزيران من ذلك العام تقديم الاحتفال يوماً واحداً، ثم عُرض القرار على جناح.

ومنذ ذلك الحين، استقر الرابع عشر من أغسطس/ آب عيداً وطنياً لباكستان، وأصبح مرتبطاً في الذاكرة العامة بيوم مراسم انتقال السلطة ورفع العلم وبدء عمل مؤسسات الدولة الجديدة.

محمد علي جناح (يمين) واللورد ماونتباتن (وسط) وبانديت نهرو (أحد زعماء حركة الاستقلال في الهند) يناقشون تقسيم الهند البريطانية عام 1946.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، محمد علي جناح (يمين) واللورد ماونتباتن (وسط) وبانديت نهرو (أحد زعماء حركة الاستقلال في الهند) يناقشون تقسيم الهند البريطانية عام 1946.

يومان للاستقلال ووجه آخر للتقسيم

احتفل سكان الهند وباكستان بانتهاء قرابة قرنين من السيطرة البريطانية، لكن الاستقلال جاء مصحوباً بتقسيم سريع وعنيف.

فقد شطر الخط الجديد إقليمي البنجاب والبنغال على أسس دينية، ودفع ملايين المسلمين إلى الانتقال نحو باكستان، وملايين الهندوس والسيخ إلى الاتجاه المعاكس.

ويصف البرلمان البريطاني ما جرى بأنه "أكبر هجرة قسرية في التاريخ لم تنتج عن حرب أو مجاعة".

ولم يكن كثير من السكان يعرفون، عندما رُفعت أعلام الاستقلال، على أي جانب من الحدود ستقع مدنهم وقراهم، فقد ظل قرار الحدود سرياً حتى 17 أغسطس/ آب، بينما كانت أعمال العنف والهجرة قد بدأت.

وهكذا حمل الرابع عشر والخامس عشر من أغسطس/ آب، نهاية الحكم الاستعماري وولادة دولتين جديدتين من جهة، وبداية واحدة من أكثر عمليات التقسيم دموية واضطراباً في القرن العشرين من جهة أخرى.