You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
لماذا تخضع "طيران الشرق الأوسط" للتدقيق؟ وهل يتأثر مطار بيروت؟
- Author, أحمد عبدالله
- Role, بي بي سي نيوز عربي - بيروت
- Published
- مدة القراءة: 7 دقائق
أطلقت المديرية العامة للطيران المدني في لبنان تدقيقاً في إجراءات السلامة لدى شركة "طيران الشرق الأوسط"، الناقل الجوي الوطني للبنان والمشغل الرئيسي للرحلات التجارية من مطار بيروت وإليه.
وتأتي الخطوة بعدما أثار طيارون، بحسب تقرير نشرته وكالة رويترز الأربعاء، مخاوف بشأن تشغيل رحلات قرب مناطق تتعرض لضربات جوية. كما تحدثوا عن إجراءات عقابية طالت طيارين بعد إبلاغهم عن حوادث أو أخطاء مرتبطة بالسلامة.
ويضع التدقيق الشركة تحت المجهر، لكنه لا يعني، حتى الآن، وقف العمل في مطار بيروت أو تعليق رحلات "طيران الشرق الأوسط". فالمطار لا يزال يعمل، والشركة تواصل تسيير رحلاتها.
وتقول "طيران الشرق الأوسط" إن عملياتها خلال فترات التوتر العسكري تخضع لتقييمات مخاطر بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية وسلطة الطيران المدني.
ما سبب المخاوف؟
أثار الاتحاد الدولي لرابطات طياري الخطوط الجوية "إيفالبا"، بحسب وكالة رويترز، مخاوف بشأن سلامة عمليات شركة "طيران الشرق الأوسط" في بيئة إقليمية عالية المخاطر.
وتقول رويترز إن رسائل اطلعت عليها تكشف قلقاً لدى طيارين من احتمال أن تكون أطقم طائرات قد طلب منها التحليق قرب مناطق تتعرض لضربات جوية.
كما تشير الرسائل إلى مخاوف من تعرض طيارين لإجراءات عقابية بعد إبلاغهم عن أخطاء غير مقصودة، وهي بلاغات يفترض عادة أن تستخدم لتعزيز معايير السلامة لا لمعاقبة المبلغين عنها.
وعلى خلفية هذه المخاوف، بدأت المديرية العامة للطيران المدني في لبنان تدقيقاً في سلامة عمليات "طيران الشرق الأوسط". ونقلت رويترز عن رئيس المديرية محمد عزيز، وهو محقق في حوادث الطيران، قوله إن فريقه سيدقق في إجراءات السلامة لدى الشركة، وسيدخل في حوار معها بشأن المخاوف المطروحة.
وتنفي "طيران الشرق الأوسط" هذه الاتهامات، مؤكدة أن لديها سجلاً قوياً ومثبتاً في السلامة. وتقول الشركة إن الرحلات التي سُيّرت خلال فترات التصعيد العسكري استندت إلى تقييمات للمخاطر، وضعت بالتنسيق مع السلطات اللبنانية المختصة.
وقالت الشركة إن نشاطاً رقابياً أجري بين 18 مايو/أيار و1 يونيو/حزيران أكد التزامها بالمتطلبات التنظيمية والتشغيلية للسلامة. غير أن عزيز قال إن نتيجة التدقيق لا تزال قيد المعالجة.
ما موقف الشركة؟
وتنفي "طيران الشرق الأوسط" الاتهامات، وتقول إن استمرار رحلاتها خلال الحرب لم يكن قراراً منفرداً، بل جاء بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية والطيران المدني، وبعد الحصول على "تطمينات دولية" بإبقاء مطار بيروت خارج منطقة الصراع.
وتؤكد الشركة أن تشغيل الرحلات في فترات التصعيد استند إلى تقييمات مخاطر أعدت بالتنسيق مع السلطات اللبنانية المختصة، معتبرة أن اعتماد سياسة "مخاطر صفر" كان سيعني عملياً وقف عملياتها وفرض ما وصفته بـ"حصار جوي مدني" على لبنان.
كما ترفض الشركة اتهامات "إيفالبا" بشأن معاقبة طيارين أبلغوا عن مخاوف تتعلق بالسلامة. وتقول إن التدريب وتقييم الكفاءة والمراقبة أثناء الطيران إجراءات مهنية وتنظيمية، وليست إجراءات تأديبية أو انتقامية من دون وقائع مثبتة.
وتقول "طيران الشرق الأوسط" إنها سيرت منذ مطلع عام 2025 أكثر من 32 ألف رحلة مجدولة، لم تخضع للمراجعة منها سوى أربع رحلات من دائرتي السلامة والعمليات، تقرر بعدها إجراء 26 رحلة تدريبية لخمسة طيارين، مشيرة إلى عدم إجراء رحلات تدريبية مماثلة في عام 2026.
وفي ما يتعلق بالتدقيق، تقول الشركة إن أنشطة الرقابة الفنية والتقنية التي أجرتها المديرية العامة للطيران المدني بين 18 مايو/أيار و1 يونيو/حزيران كانت إجراء سنوياً مجدولاً مسبقاً، ولا علاقة لها برسالة "إيفالبا". وبحسب الشركة، فإن نتائج التدقيق دحضت الادعاءات وأكدت التزامها بمتطلبات السلامة التنظيمية والتشغيلية.
هل هناك سوابق عالمية؟
المخاوف من تحليق طائرات مدنية قرب مناطق نزاع ليست افتراضية بالكامل. ففي عام 2014، أسقطت طائرة الخطوط الماليزية MH17 فوق شرق أوكرانيا بصاروخ أرض-جو، ما أدى إلى مقتل جميع من كانوا على متنها، وعددهم 298 شخصاً. وخلص مجلس السلامة الهولندي إلى أن الحادث كشف ثغرات في تقييم مخاطر التحليق فوق مناطق النزاع وتبادل المعلومات بين الدول وشركات الطيران.
وفي يناير/كانون الثاني 2020، أسقطت طائرة الخطوط الأوكرانية PS752 بعد دقائق من إقلاعها من طهران بصاروخين أرض-جو إيرانيين، ما أدى إلى مقتل 176 شخصاً.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، تحطمت طائرة تابعة للخطوط الأذربيجانية قرب أكتاو في كازاخستان، بعدما غيرت مسارها من جنوب روسيا. ونقلت رويترز عن مصادر مطلعة على نتائج أولية في التحقيق الأذربيجاني أن الطائرة أصيبت على الأرجح بمنظومة دفاع جوي روسية، ما أدى إلى مقتل 38 شخصاً. ولم تكن نتائج التحقيق الرسمي قد صدرت بصورة نهائية آنذاك.
ولا يعني ذلك أن الحالة اللبنانية مماثلة لهذه الحوادث. فالمخاوف المطروحة بشأن لبنان تستند، بحسب رويترز، إلى تشغيل رحلات في بيئة إقليمية عالية المخاطر، وإلى قرب بعض المسارات من مناطق شهدت ضربات إسرائيلية منذ عام 2024.
لكن تقييم الخطر في الطيران لا يقوم على عامل واحد، مثل قرب الضربة من المطار. فهو يشمل عادة نوع السلاح المستخدم، وارتفاع مسار الطائرة، وتوقيت الرحلة، ووجود إنذارات عسكرية، وقدرة سلطات الملاحة الجوية على التواصل مع الطائرات، وتوفر مسارات بديلة، وإمكان إغلاق المجال الجوي أو تعديل المسار بسرعة.
لماذا تلغي الشركة بعض الرحلات وتبقي أخرى؟
عملياً، قد تلغي شركة الطيران رحلة وتسير أخرى في اليوم نفسه، تبعاً للوجهة وتوقيت الإقلاع، أو الهبوط والمسار الجوي ومستوى التهديد في تلك اللحظة، إضافة إلى توفر الطواقم والطائرات وتعليمات السلطات المختصة. لكن من دون توضيح رسمي مفصل من الشركة، لا يمكن الجزم بالمعايير الداخلية التي تعتمدها لاتخاذ قرارات الإلغاء أو التشغيل.
وتعد "طيران الشرق الأوسط" الناقل الوطني اللبناني، وتسيّر رحلات من مركزها في بيروت إلى أكثر من 36 وجهة في الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا، بينها مدن خليجية وعربية مثل عمان والرياض والقاهرة وبغداد وأبو ظبي وجدة ودبي والكويت والدوحة، ووجهات أوروبية مثل بروكسل وفرانكفورت وجنيف ولندن وباريس وأثينا.
وخلال الحرب، ألغت الشركة معظم رحلاتها المتجهة شرقاً نحو دول الخليج بسبب إغلاق المجالات الجوية، بينما أبقت على عدد من الرحلات المتجهة غرباً، ولا سيما إلى مصر وأثينا وعدد من العواصم الأوروبية. كما سيرت في فترات لاحقة رحلات استثنائية إلى بعض مطارات السعودية والإمارات، وفق ما كان يسمح به وضع المجال الجوي.
وصباح الأربعاء، أعلنت "طيران الشرق الأوسط" إلغاء رحلتيها المجدولتين من الكويت وإليها، بسبب إغلاق المجال الجوي الكويتي. وجاء ذلك بعدما أعلنت السلطات الكويتية تعرض مطار الكويت الدولي لهجوم بطائرات مسيرة وصواريخ إيرانية، وتفعيل خطة الطوارئ في المطار.
ماذا يقول الخبراء؟
تقول مرام كبار، الخبيرة في خدمات الطيران وتجربة المسافرين، في مقابلة مع بي بي سي عربي، إن قرارات تشغيل الرحلات أو إلغائها لا تستند إلى عامل واحد، بل إلى مجموعة من المعطيات التشغيلية والأمنية والفنية، من بينها الأحوال الجوية، والقيود المفروضة على المجال الجوي، ومستوى المخاطر الأمنية.
وتوضح كبار أن كل رحلة تُقيّم بصورة مستقلة، وفق المعطيات المتاحة في وقت التشغيل، وهو ما يفسر إمكان إلغاء رحلات معينة واستمرار أخرى في اليوم نفسه.
وتضيف أن تقييم المخاطر تشارك فيه عادة سلطات الطيران المدني، وشركات الطيران، والجهات الأمنية والعسكرية المختصة، ومقدمو خدمات الملاحة الجوية، من خلال تبادل مستمر للمعلومات وتحليلها قبل اتخاذ قرار التشغيل أو الإلغاء.
وفي حال تشغيل رحلة قرب منطقة نزاع، تقول كبار إن إجراءات الحد من المخاطر تشمل مراجعة المسارات الجوية، واختيار الارتفاعات المناسبة، ومتابعة التحديثات الأمنية والتشغيلية، والالتزام بتعليمات الجهات المختصة. لكنها تشدد على أنه إذا تعذّر خفض المخاطر إلى مستوى مقبول، فلا ينبغي تشغيل الرحلة.
وتؤكد كبار أن تغيير المسار أو إلغاء الرحلة يصبح قراراً مهنياً لا تجارياً عندما تشير المعلومات المتاحة إلى خطر غير مقبول على سلامة الركاب أو الطاقم أو الطائرة، لافتة إلى أن السلامة تبقى الأولوية المطلقة في صناعة الطيران.
وتقول إن شركة الطيران تحتاج، قبل تشغيل رحلة في بيئة عسكرية متقلبة، إلى معلومات محدثة من نشرات الطيارين "نوتام"، وتعليمات سلطات الطيران المدني ومقدمي خدمات الملاحة الجوية، والتقييمات الأمنية الصادرة عن الجهات المختصة، إضافة إلى إرشادات المنظمات الدولية مثل منظمة الطيران المدني الدولي، وتقييمات الشركة الداخلية.
هل سيؤثر التدقيق على حركة مطار بيروت؟
حتى الآن، لا تشير المعطيات المتاحة إلى أن التدقيق سيؤدّي بحد ذاته إلى تعطيل الرحلات أو إغلاق مطار بيروت. فالتدقيق، بحسب رويترز، يتركز على إجراءات السلامة لدى "طيران الشرق الأوسط"، ولا يستهدف تشغيل المطار كمنشأة عامة.
لكن نتيجة التدقيق قد تكون مهمة. فإذا خلصت المديرية العامة للطيران المدني إلى وجود ثغرات، فقد تطلب من الشركة اتخاذ إجراءات تصحيحية، مثل مراجعة بروتوكولات تقييم المخاطر، وتعزيز آليات الإبلاغ الداخلي، وتحديث برامج التدريب، أو إعادة النظر في طريقة اتخاذ قرارات التشغيل خلال فترات التصعيد.
وتكتسب المسألة حساسية خاصة بالنظر إلى موقع مطار بيروت في الاقتصاد اللبناني. فاستمرار العمل فيه يعني إبقاء لبنان متصلاً بالعالم، في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على السياحة وحركة السفر الأساسية. وقد واصلت "طيران الشرق الأوسط" تسيير رحلاتها خلال أزمات الحرب والانهيار المالي، في وقت قلصت فيه شركات أجنبية كثيرة عملياتها أو تجنبت أجزاء من أجواء المنطقة.
لكن الحاجة الملحة إلى استمرار التشغيل لا تلغي سؤال السلامة. فإذا أكدت المديرية التزام الشركة بالمعايير التنظيمية والتشغيلية، فسيبقى سؤال أوسع مطروحاً: كيف يمكن طمأنة الركاب والطيارين في بلد لا يزال مطاره يعمل تحت ضغط الحرب، وفي منطقة قد تتغير فيها المخاطر من ساعة إلى أخرى؟