كأس العالم 2026: كيف يتحكم المونديال في المزاج العام للجمهور؟

صدر الصورة، Getty Images
- Author, مجدي القسوس
- Role, بي بي سي نيوز عربي
- Published
- مدة القراءة: 7 دقائق
يكفي أن تقود سيارتك في أحد الأحياء السكنية، أيّاً كان البلد الذي تعيش فيه، لتشعر أن شيئاً استثنائياً يحدث. سيارات تكتسي بألوان المنتخبات، وأعلام تتدلّى من الشرفات والنوافذ، وأضواء تزيّن البيوت، وأصوات هتافات تتعالى من المقاهي والمنازل.
للوهلة الأولى قد تظن أن هناك شجاراً في الجوار، قبل أن تكتشف أن الأمر ليس سوى هدفٍ هزّ الشباك، فأشعل فرحة حيٍّ بأكمله.
حتى الأسواق تبدو مختلفة؛ الوجوه أكثر حماساً، والأحاديث تدور حول مباراة الأمس ومواجهة الليلة، وكأن إيقاع الحياة اليومية أعاد ضبط نفسه على جدول المباريات.
هذا هو المشهد الذي يفرض نفسه في صيف 2026. وإذا حاولت أن تبحث عن الخيط الذي يجمع كل تلك التفاصيل، فلن تجد سوى عامل واحد: مونديال 2026. بطولة لا تُغيّر نتائج كرة القدم فحسب، بل تغيّر أيضاً مزاج المدن، وإيقاع الأيام، وطريقة الناس في الاحتفال، والانتظار، وحتى التفاعل مع بعضهم البعض.
قبل دقائق من صافرة البداية، تتوقف مواعيد كثيرة، وتخلو الشوارع، وتزدحم المقاهي، فيما تتجه ملايين العيون إلى شاشة واحدة. وبعد تسعين دقيقة فقط، قد يخرج شعب بأكمله إلى الاحتفال حتى الفجر، أو يعود إلى منزله مثقلاً بخيبة لا تمت إلى حياته اليومية بصلة.
هذا التقرير يسأل كيف يستطيع حدث رياضي إعادة تشكيل المزاج العام للجمهور؟ وكيف ينجح كأس العالم، كل أربع سنوات، في جعل الفرح والحزن ينتقلان بالعدوى من ملعب واحد إلى العالم كله؟
المونديال: حين يضحك وطن ويبكي آخر

صدر الصورة، AFP via Getty Images
في 18 ديسمبر/كانون الأول 2022، وبعد فوز المنتخب الأرجنتيني على فرنسا في نهائي كأس العالم، شهدت الأرجنتين واحدة من أكبر موجات الاحتفال الجماعي في تاريخها الحديث.
خرج الملايين إلى الشوارع فور إطلاق صافرة النهاية، وامتلأت الساحات الرئيسية في العاصمة بوينس آيرس بالاحتفالات، فيما أعلنت الحكومة عطلة وطنية لاستقبال المنتخب.
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
قدرت وسائل إعلام محلية ودولية عدد المشاركين في استقبال اللاعبين حينها بأكثر من أربعة ملايين شخص، ما دفع حافلة اللاعبين إلى إلغاء جزء من مسارها بسبب الكثافة البشرية. وتحوّل الحدث من إنجاز رياضي إلى لحظة وطنية جامعة، في بلد كان يمر بأزمة اقتصادية خانقة.
وإذا كانت الأرجنتين مثالاً على النشوة، فإن البرازيل قدمت وجهاً آخر للمزاج الجماعي. ففي 8 يوليو/تموز 2014، خسر المنتخب البرازيلي نصف نهائي كأس العالم على أرضه أمام ألمانيا بنتيجة 7-1، وهي واحدة من أكثر الهزائم إيلاماً في تاريخ كرة القدم.
لكن ما لفت الانتباه حينها لم يكن النتيجة وحدها، بل رد الفعل الشعبي. فخلال المباراة، ساد الصمت في المدرجات، وبكى آلاف المشجعين أمام عدسات التلفزيون، وانتشرت صور أطفال يبكون في جميع أنحاء العالم، وتحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مساحة للحزن والسخرية في آن واحد.
وصفت وسائل إعلام برازيلية الهزيمة بأنها "كارثة وطنية"، فيما شبّهها معلّقون بـ"ماراكانازو" الجديدة، في إشارة إلى خسارة نهائي كأس العالم عام 1950 أمام الأوروغواي.
وإذا أردنا أن نتناول فرحة التأهل للمرة الأولى في التاريخ، فربما يكون المثال الأردني هو الأقرب إلينا عندما تأهل المنتخب الأردني إلى كأس العالم 2026 للمرة الأولى.
عمّت مواكب السيارات كل المحافظات، وارتفعت الأعلام الأردنية، وامتلأت الساحات بالمحتفلين حتى ساعات الليل المتأخرة.
لكن المثير للاهتمام لم يكن الاحتفال في الشوارع فقط. فعلى منصات التواصل الاجتماعي، تصدر وسم التأهل قوائم الأكثر تداولاً، ونشر آلاف الأردنيين صوراً ومقاطع فيديو للاحتفالات، وشاركت مؤسسات رسمية وخاصة في موجة التهاني، حتى أشخاص لا يتابعون كرة القدم بانتظام شاركوا في الاحتفال باعتباره إنجازاً وطنياً.
"إجازة جماعية غير معلنة"

صدر الصورة، AFP via Getty Images
يقول المشجّع المغربي نور الدين العوارتاسي لبي بي سي: "في أيام المونديال يصبح جدولي اليومي مرتبطاً بالمباريات أكثر من أي شيء آخر. حتى الجلسات العائلية تتغير، والحديث في العمل لا يخرج عن التوقعات والنتائج".
ويضيف: "أشعر أن البطولة تمنح الناس سبباً يومياً للفرح والترقب، وكأنها إجازة جماعية غير معلنة".
أما المصري كريم الدالي، فيقول إن أجواء البطولة دفعته إلى تغيير روتينه اليومي؛ فبدلاً من النوم مبكراً، أصبح يقتطع ساعة للقيلولة بعد الظهر، ليتمكن من السهر مع عائلته ومتابعة المباريات.
يبدو أن جدول المباريات نجح في ما لم تنجح فيه المنبهات: تغيير مواعيد نوم ملايين الناس.
ويقول الدالي: "حتى من لا يتابع كرة القدم طوال العام يجد نفسه منجذباً للأجواء. المونديال يجعل الناس المونديال يجعل الناس يشعرون بأنهم يعيشون حدثاً عالمياً في اللحظة نفسها".
ويتفق الأردني ليث الخضير مع هذا الانطباع، قائلاً لبي بي سي: "خلال كأس العالم تتغير تفاصيل اليوم؛ نؤجل بعض المواعيد ونرتب لقاءاتنا وفق توقيت المباريات. وحتى بعد صافرة النهاية تبقى النتيجة حديث المجالس. من الغريب أن مباراة تستغرق تسعين دقيقة تستطيع أن تؤثر في مزاج الناس ليوم كامل".
لماذا نشعر أن المنتخب يمثلنا؟

صدر الصورة، Getty Images
في كل نسخة من كأس العالم، لا تقتصر المنافسة على المستطيل الأخضر، بل تمتد إلى مشاعر الملايين حول العالم. فنتيجة مباراة واحدة قد تُشعل فرحة جماعية أو تُخلف حالة من الإحباط والغضب. لكن كيف يفسر علم النفس هذه الظاهرة؟
يرى عمر عبد الله، الأخصائي النفسي المصري، أن تفسير هذه الظاهرة يبدأ من حاجة الإنسان الفطرية إلى الانتماء، فالمشجع لا يرى المنتخب مجرد فريق يلعب كرة القدم، بل يعتبره امتداداً لهويته وشعوره بالانتماء.
ويقول لبي بي سي: "عندما يفوز المنتخب، يشعر كثيرون أن جزءاً من هويتهم انتصر معهم، وعندما يخسر قد يشعرون بالإحباط أو الغضب، رغم أنهم لم يشاركوا في المباراة". ويضيف أن الإنسان قد "يستعير إحساسه بالنجاح من الفريق الذي يشجعه، فيشعر بقيمة أكبر من خلال إنجاز حققه آخرون".
لكن المشاعر، بحسب عبد الله، لا تنتقل بالانتماء وحده، بل تنتشر أيضاً بين الناس كما تنتقل العدوى. ويقول: "الإنسان لا ينقل الأفكار فقط، بل ينقل الانفعالات أيضاً".
ولذلك قد يجد شخص نفسه يحتفل أو يحزن بدرجة تفوق توقعاته، لمجرد أنه محاط بملايين يعيشون الحالة الشعورية نفسها، سواء في المدرجات أو عبر شاشات التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي.
ويضيف أن المباريات الكبرى تتحول لدى كثيرين إلى متنفس للضغوط اليومية، إذ تتيح لهم التعبير عن الفرح أو الغضب أو التوتر في مساحة اجتماعية مقبولة، بينما تضاعف وسائل الإعلام ومنصات التواصل هذه المشاعر عبر القصص، والمقارنات، وإعادة تداول اللقطات المثيرة.
ولا يتوقف تأثير المباراة عند صافرة النهاية. فبحسب عبد الله، قد يمتد إلى بيئة العمل والعلاقات اليومية والتفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي، بل إن دراسات رصدت انعكاسات صحية وسلوكية لدى بعض الفئات بعد مباريات كبرى، خصوصاً بين الأشخاص الأكثر عرضة للتأثر.
ويشدد الأخصائي النفسيّ على أن المشكلة ليست في التشجيع، بل في ربط قيمة الإنسان بنتيجة لا يملك أي تأثير فيها. ويقول: "اللاعب سيواصل حياته سواء فاز أو خسر، لكن المشجع قد يعود إلى عمله في اليوم التالي وحياته كما هي، بينما تكون حالته النفسية قد تغيرت تماماً بسبب نتيجة مباراة".
ويخلص إلى أن "المباراة تنتهي مع صافرة الحكم، لكن الانفعال الجمعي قد يبقى داخل المجتمع لساعات، وأحياناً لأيام".
وبعد كل ما سمعناه من الأخصائي النفسي، قد يكون من الأفضل ألا تبدأ حديثك مع مشجع خرج فريقه من البطولة بسؤال: "كيف الحال؟"... على الأقل ليس في اليوم التالي.
الإعلام: لاعبٌ آخر في المباراة

صدر الصورة، Getty Images
لكن المزاج العام الذي يصاحب كأس العالم لا تصنعه نتائج المباريات وحدها، فوسائل الإعلام، التقليدية والرقمية، تؤدي دوراً مؤثراً في تضخيم المشاعر الجماعية وتوجيهها.
تقول الدكتورة وهيبة الغالي، الباحثة التونسية في الإعلام والتربية الإعلامية والمعلوماتية، إن للإعلام دورين متوازيين خلال البطولة؛ الأول يتمثل في نقل المباريات والنتائج، أما الثاني، وهو الأقل ظهوراً، فيتمثل في التأثير في الحالة الشعورية للجمهور.
وتوضح لبي بي سي أن الإعلام "يحرك مشاعر الفرح والحزن والغضب واللهفة، وقد يصل الأمر إلى تأجيج الكراهية أو الخطاب العنصري"، مشيرة إلى أن الكاميرات لا تكتفي بمتابعة مجريات المباراة، بل "تقتنص صور بكاء الجماهير واللاعبين عند الفوز أو الخسارة، لأنها الأكثر قدرة على إثارة التفاعل".
وتستشهد الغالي بحملات إعلامية صاحبت بعض اللاعبين المجنسين، مثل اللاعب التونسي الأصل ياسين العياري، والتي تجاوزت النقاش الرياضي إلى التشكيك في وطنيته، معتبرة أن مثل هذه التغطيات قد تسهم في تضخيم مشاعر الغضب والانقسام.
وترى أن وسائل الإعلام تستخدم أدوات متعددة لصناعة هذا التفاعل، بدءاً من التعليق الرياضي والاستوديوهات التحليلية والعناوين والصور، وصولاً إلى المحتوى الرقمي والبودكاست، بهدف إشباع التفاعل العاطفي للجمهور، وهو ما ينعكس أيضاً على نسب المشاهدة والتفاعل.
وتلفت إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم الأكثر تأثيراً في تشكيل المزاج الجماعي، إذ يمكن لمقطع فيديو لا تتجاوز مدته ثوانٍ أن يحصد ملايين المشاهدات ويؤثر في مشاعر الجمهور، حتى لو كان مضللاً أو خارج سياقه الأصلي. وتضرب مثالاً بمقاطع فيديو أُعيد تداولها خلال كأس العالم للمقارنة بين طريقة تعامل لاعبين مع الأطفال، رغم أنها صُورت قبل البطولة بسنوات، لكنها استُخدمت مجدداً "لتجييش مشاعر الجمهور وصناعة أبطال للمونديال".
وتحذر الغالي من أن التغطية الإعلامية، عندما تتجاوز حدود المهنية، قد تتحول إلى عامل يغذي التعصب الرياضي وخطابات الكراهية، خاصة إذا انتقلت من نقد الأداء داخل الملعب إلى استهداف الأشخاص وحياتهم الخاصة.
وتقول: "حين تتولى وسائل الإعلام تأجيج المشاعر، فإنها قد تؤثر حتى في القرارات الإدارية والرياضية"، مستشهدة بالحملة الإعلامية التي استهدفت المدرب صبري اللموشي، والتي رافقتها، بحسب وصفها، موجة واسعة من الكراهية والاتهامات الشخصية، وانتهت بإقالته.
قد لا يتحكم كأس العالم بنتيجة كل مباراة، لكنه ينجح في التحكم بمزاج ملايين البشر لبضعة أسابيع. فيجعل موظفاً يؤجل اجتماعاً، وطالباً ينهي واجباته على عجل، وأسرةً تختلف طوال العام على جهاز التحكم بالتلفاز، ثم تتفق فجأة على قناة واحدة.
وبعد أن تُسدل الستارة على البطولة، ستعود الشوارع إلى هدوئها، وتختفي الأعلام من النوافذ، ويستعيد الجميع مواعيدهم المعتادة إلى أن يأتي مونديال جديد، فنكتشف مرة أخرى أن أكثر من يتحكم بمزاجنا كل أربع سنوات ليس مديرنا في العمل، ولا حالة الطقس، بل كرةٌ صغيرة قررت أن تدخل الشباك، أو ترتطم بالقائم.
وأنت، ماذا حلّ بفريقك المفضل في مونديال 2026 حتى الآن؟ وكيف يبدو مزاجك العام اليوم؟
























