في كأس العالم لا أشجع إلا كابتن ماجد

كابتن ماجد

صدر الصورة، YOICHI TAKAHASHI/CAPTAIN TSUBASA COMMITTEE

    • Author, سناء الخوري
    • Role, بي بي سي نيوز عربي
  • Published
  • مدة القراءة: 10 دقائق

أتذكر المثلجات بطعم الفراولة تذوب فوق معصمي، وتسيل مع الدموع على بلاط غرفة الجلوس. كنا، أخي وأنا، قد تلقينا صدمة حياتنا عصر ذلك اليوم الصيفي في مطلع التسعينيات. وكان أبي وعمي يجلسان إلى جانبنا أمام شاشة التلفزيون، يضحكان في ذهول، فيما كنا نحن ننوح ونبكي.

أسرعت أمي تسأل عن "المصيبة" التي حلت بطفليها، وأكبرهما لم تتجاوز السابعة، لتكتشف أن إحدى حلقات كابتن ماجد انتهت بتسجيل الفريق المنافس هدفاً في مرمى الحارس وليد. كانت أي هزيمة محتملة للكابتن ماجد من أكبر خيباتنا، وهو ما لم يفهمه الكبار حينها.

كل من شاهد في طفولته الجزأين الأول والثاني من المسلسل، بالدبلجة العربية، على إحدى القنوات المحلية التي عرضته في أنحاء المنطقة مطلع التسعينيات، ثم تابع أجزاءه اللاحقة عبر فضائية سبيستون، يفهم قسوة الانتظار.

كانت المباراة الواحدة تمتد عبر عدة حلقات، وكان يمكن لركلة أو تسديدة أن تبدأ في حلقة وتتواصل في التالية. وكان انشدادنا إلى الكرة المرسومة، وهي تدور في مكانها لدقائق طويلة، مادة لسخرية الكبار، الذين رأوا فيه تعلقاً طفولياً "غير عقلاني" بمسلسل كرتوني.

كبرنا، لكننا ما زلنا نرى ماجد كما رأيناه صغاراً: نجم كرة القدم الأول والوحيد، المتفوق على سائر النجوم، وإن لم يكن شخصية من لحم ودم.

ورغم مرور أكثر من 35 عاماً على عرضه الأول بالعربية، لا يزال من الممكن أن نصادف أحد أجزاء كابتن ماجد معروضاً بين الحين والآخر على الفضائيات.

وعلى مواقع التواصل، تنتشر صفحات تجمع أرشيفاً واسعاً من المقاطع والمشاهد القديمة، إلى جانب مقابلات مع صناع الدبلجة العربية، ومع طارق العربي طرقان، صاحب الشارة الغنائية الشهيرة للعمل بدءاً من الجزء الثاني التي تقول لازمتها: "سجل أهدافاً لا تيأس لا تخشى المرمى، كن حسن الخلق مع الخصم فأهدافك أسمى".

أهمل YouTube مشاركة, 1
هل تسمح بعرض المحتوى من Google YouTube؟

تحتوي هذه الصفحة على محتوى من موقع Google YouTube. موافقتكم مطلوبة قبل عرض أي مواد لأنها قد تتضمن ملفات ارتباط (كوكيز) وغيرها من الأدوات التقنية. قد تفضلون الاطلاع على سياسة ملفات الارتباط الخاصة بموقع Google YouTube وسياسة الخصوصية قبل الموافقة. لعرض المحتوى، اختر "موافقة وإكمال"

تحذير: بي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية المحتوى في موقع YouTube قد يتضمن إعلانات

نهاية YouTube مشاركة, 1

وتتناول مقالات كثيرة النسخة العربية من المسلسل وتأثيرها: من أدى أصوات ماجد وبسام وعمر وياسين؟ وما الذي بقي في النسخة العربية من العمل الياباني الأصلي؟

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

ويكفي أن يظهر مشهد من المسلسل على إنستغرام ليستدعي سيلاً من الحنين. وعلى أحد الحسابات الكثيرة المخصصة لذكريات التسعينيات، أقرأ في التعليقات من يكتب أن معلق المباريات في المسلسل كان "أقوى من الشوالي"، في إشارة إلى المعلق الرياضي التونسي عصام الشوالي. ويتساءل آخر، وقد بلغ الثالثة والأربعين، لماذا لا يزال يتحمّس كلما سمع أغنية كابتن ماجد.

وتتذكر إحدى المعلقات أنها كانت تخرج مع شقيقاتها للعب كرة القدم بعد انتهاء الحلقة، وأن أول أحلامها كان أن تصبح لاعبة كرة. فيما يختصر معلق آخر تجربة جيل كامل بقوله: "نحن الجيل الذي انتظر عشر حلقات حتى يسدد كابتن ماجد الكرة".

ومن أبناء جيلنا من صاروا اليوم أمهات وآباء، ويحاولون نقل متعة مشاهدة مسلسلات الأنمي المدبلجة، خصوصاً كابتن ماجد، إلى أطفالهم، كأنها إرث. فبالنسبة إلى كثيرين، كان كابتن ماجد بابهم الأول إلى الشغف بكرة القدم ومتابعتها.

أما أنا فأنتمي إلى فئة مختلفة تماماً: من لا يعرفون من كرة القدم إلا قصة الكابتن ماجد، ويستعيدون حماستهم لها كلما جاء المونديال، من دون أن يعرفوا بالضرورة من تأهّل أو أسماء لاعبي كل منتخب. فمع مرور السنوات، اكتشفت أنني لا أشجع في كأس العالم إلا الكابتن ماجد. ولهذا أعود إلى السؤال: لماذا أثر فينا ماجد إلى هذا الحدّ، حتى فيمن لم تكن كرة القدم ولا متابعة أخبار الرياضة تعني لهم الكثير؟

رسوم من سلسلة "كابتن تسوباسا" في محطة يوتسوغي بطوكيو، في 7 أبريل/نيسان 2024. بدأ نشر السلسلة عام 1981، وتجاوزت مبيعاتها 90 مليون نسخة في أكثر من 50 دولة، قبل توقف إصدارها بصورتها التقليدية بعد 43 عاماً.

صدر الصورة، Anadolu via Getty Images

التعليق على الصورة، رسوم من سلسلة "كابتن تسوباسا" في محطة يوتسوغي بطوكيو، في 7 أبريل/نيسان 2024. بدأ نشر السلسلة عام 1981، وتجاوزت مبيعاتها 90 مليون نسخة في أكثر من 50 دولة، قبل توقف إصدارها بصورتها التقليدية بعد 43 عاماً.

أسطورة يابانية

قد يكون البحث عن تفسير لهالة كابتن ماجد وأثره الثقافي الواسع محاولة طموحة في مقالة قصيرة. استطاع العمل اجتياز امتحان الحدود والثقافات، ولا تزال القصة حاضرة في ذاكرة من عاشوا طفولتهم في التسعينيات، في المنطقة العربية وخارجها، عبر ترجمات ودبلجات عدة، بينها العربية والتركية والفارسية والفرنسية والإسبانية.

وربما لا تحتاج خلطة نجاح العمل إلى شرح، فعناصر الحكاية واضحة، ومهيّأة لجذب الاهتمام: لاعب صغير مجتهد يطارد حلم الاحتراف، وهو يتحلّى بالانضباط والمهارة، وفيّ لزملائه، لا يلعب بأنانية، ولا يتعمّد إيذاء الخصوم.

ثم تأتي كرة القدم، بما تحظى به من جماهيرية واسعة، من خلال نوع فني له جمهور شغوف، بل متعصّب أحياناً: المانغا ثمّ الأنمي. فهذا الجمهور يرافق شخصيات تكبر وتتطوّر على مدى سنوات، حتى تصبح تفاصيلها جزءاً من ذاكرته وهويته.

انطلقت قصة كابتن ماجد في اليابان عام 1981، حين بدأ الرسام يويتشي تاكاهاشي (65 عاماً) بنشر سلسلة قصص مصوّرة مانغا، بعنوان "كابتن تسوباسا" في مجلة أسبوعية.

استمرت القصة عبر سلاسل وتتمات متعاقبة، إلى أن توقف نشرها على شكل صفحات مانغا مكتملة عام 2024، بعد 43 عاماً من انطلاقها، فيما واصل تاكاهاشي نشر فصول عبر الموقع الرسمي للعمل، على شكل رسوم تخطيطية.

وتحوّلت القصّة المصوّرة إلى مسلسل أنمي للمرة الأولى عام 1983، واستمرّ عرض نسخته الأصلية حتى عام 1986. ثم أنتجت منه اقتباسات ونسخ جديدة في مراحل متفرقة، كان أحدثها بين عامي 2023 و2024.

في النسخة الأصلية، يحمل البطل اسم تسوباسا أوزورا، وتعني كلمة "تسوباسا" باليابانية الجناح، فيما تعني "أوزورا" السماء الواسعة. والشخصية الرئيسية طفل نشأ على حب كرة القدم، ويحلم بأن يقود منتخب اليابان إلى كأس العالم يوماً ما.

واستوحى تاكاهاشي الفكرة بعد متابعته كأس العالم في الأرجنتين عام 1978، وهي البطولة التي قال إنها عرّفته إلى جاذبية كرة القدم. وجاء العمل في مرحلة لم تكن فيها اللعبة الرياضة الأكثر شعبية في اليابان، إذ كانت كرة القاعدة (بيسبول) تحظى بجماهيرية أوسع.

ووفق الاتحاد الياباني لكرة القدم، ألهم العمل فتياناً وفتيات كُثر لممارسة اللعبة، ووصل بعض من تأثروا به لاحقاً إلى الاحتراف. ويعدّه الاتحاد من العوامل الثقافية التي شجعت الأطفال على ممارسة كرة القدم ورافقت نمو شعبيتها في البلاد. وانطلق الدوري الياباني للمحترفين عام 1993، قبل أن تشارك اليابان في كأس العالم للمرة الأولى في فرنسا عام 1998.

ومع مرور السنوات، تجاوز أثر العمل حدود اليابان. واكتسب هذا الانتشار لاحقاً بعداً يتصل بالقوة الناعمة اليابانية، مع تحوّل الأنمي والمانغا إلى اثنين من أكثر أشكال الثقافة اليابانية حضوراً في الخارج.

فقد أشار لاعبون عالميون، بينهم أندريس إنييستا، وفرناندو توريس، وأليساندرو دل بييرو، وزين الدين زيدان، وليونل ميسي، إلى تأثير "كابتن تسوباسا" في علاقتهم بكرة القدم. حتى كيليان مبابي قارن نفسه بتسوباسا، إذ نشر عام 2018 صورة لإصابته في الكتف إلى جانب صورة للشخصية وهي تضع ضمادة مماثلة.

يويتشي تاكاهاشي، مؤلف "كابتن تسوباسا" في 27 يونيو/حزيران 2014.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، يويتشي تاكاهاشي، مؤلف "كابتن تسوباسا" مع رسوماته

أحلام عربيّة

لم نكن، ونحن نشاهد "كابتن ماجد"، نفكّر في أنه عمل أجنبي أو ياباني الأصل. في النسخة المعرّبة، صار تسوباسا "ماجد"، وحمل رفاقه أسماء عربية مثل ياسين وعمر وبسام ووليد، وتغيّرت أسماء المدن والمدارس والفرق.

قبل دبلجة المسلسل الكرتوني، أصدرت شركة "يونغ فيوتشر"، بالتعاون مع شركة "تهامة" السعودية، "مجلة الكابتن ماجد" عام 1988، وهي مجلة رياضية مصوّرة استلهمت شخصيات السلسلة اليابانية وساهمت في الترويج لها عربياً (تختلف عن مجلة "ماجد" الإماراتية).

ويعتقد أن اختيار اسم "ماجد" جاء تيمناً باللاعب السعودي ماجد عبد الله (مواليد 1959)، المهاجم في نادي "النصر"، وأحد أبرز نجوم الكرة السعودية والآسيوية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

وفي عام 1990، وصلت القصة إلى التلفزيون، مع تولّي "استوديو الشرق الأدنى" في عمّان تنفيذ الدبلجة العربية، حيث أدت سهير فهد صوت ماجد، وكتب شارة البداية المؤلف وائل أبو نوار.

ولاحقاً، تولى "مركز الزهرة" في سوريا استكمال الدبلجة في ما عرف عربياً بالجزء الثاني، محافظاً على الأسماء والصيغة التي رسخت في الجزء الأول. وأدّت أمل حويجة صوت ماجد، فيما ارتبطت الشارة الغنائية باسم طارق العربي طرقان.

ومع عرض الأجزاء اللاحقة عبر فضائية سبيستون، رسّخ العمل مكانته بوصفه أحد أكثر أعمال الأنمي حضوراً في ذاكرة الأطفال العرب.

أهمل YouTube مشاركة, 2
هل تسمح بعرض المحتوى من Google YouTube؟

تحتوي هذه الصفحة على محتوى من موقع Google YouTube. موافقتكم مطلوبة قبل عرض أي مواد لأنها قد تتضمن ملفات ارتباط (كوكيز) وغيرها من الأدوات التقنية. قد تفضلون الاطلاع على سياسة ملفات الارتباط الخاصة بموقع Google YouTube وسياسة الخصوصية قبل الموافقة. لعرض المحتوى، اختر "موافقة وإكمال"

تحذير: بي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية المحتوى في موقع YouTube قد يتضمن إعلانات

نهاية YouTube مشاركة, 2

جاء تعريب "كابتن ماجد" ضمن موجة أوسع من نقل الأنمي الياباني إلى العربية، بدأت قبل عصر الفضائيات بأكثر من عقد، ثم اتسعت مع ظهورها.

وكان لبنان من المراكز المبكرة لهذه التجربة. تولت شركة "الاتحاد الفني" في بيروت تعريب "غرندايزر"، بإشراف المخرج وئام الصعيدي، ليعرض على تلفزيون لبنان عام 1979. وأدى الممثل اللبناني جهاد الأطرش صوت دوق فليد، فيما غنى سامي كلارك شارة البداية التي بقيت واحدة من أشهر شارات الرسوم المتحركة.

وفي الخليج، اتخذ إنتاج برامج الأطفال وتعريبها طابعاً مؤسسياً مع إنشاء "مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربية" في الكويت عام 1976. وقدمت المؤسسة عام 1981 الدبلجة العربية لمسلسل "عدنان ولينا".

وتوسعت تجارب الدبلجة لاحقاً في الأردن وسوريا، قبل أن تمنحها الفضائيات انتشاراً عربياً أوسع.

وفي ظل محدودية إنتاج الرسوم المتحركة العربية آنذاك، من ناحية التمويل وخلق الفرص للمواهب الصاعدة في مجالات الرسم والتحريك، شغلت الأعمال اليابانية المدبلجة مساحة واسعة من برامج الأطفال.

رسوم من سلسلة "كابتن تسوباسا" في محطة يوتسوغي بطوكيو، في 7 أبريل/نيسان 2024. بدأ نشر السلسلة عام 1981، وتجاوزت مبيعاتها 90 مليون نسخة في أكثر من 50 دولة، قبل توقف إصدارها بصورتها التقليدية بعد 43 عاماً.

صدر الصورة، Anadolu via Getty Images

أبعد من الدبلجة

لم تكن دبلجة الأنمي عملية لغوية فحسب، بل عكست أيضاً التوجهات الثقافية السائدة في العالم العربي. ومن هنا يمكن فهم مكانة "كابتن ماجد" ضمن ظاهرة أوسع، بوصفه أحد أبرز الأعمال التي تحولت، عبر التعريب، من منتج ياباني إلى جزء من الذاكرة الثقافية العربية.

وترى رزان إدريس، في مقالها "الأنمي بالعربية: تحوّل في هوية جيل الألفية العربي"، المنشور في مجلة "مفتاح" عام 2017، أن دبلجة الأنمي عكست جانباً من التوجهات السياسية والثقافية السائدة في العالم العربي. فقد مالت النسخ العربية إلى التركيز على "الأسرة، والشرف الشخصي، والأخلاق الحميدة"، وإلى إبراز أفكار مثل الوحدة العربية والإسلامية.

وانعكس هذا التوجه في حذف أو تخفيف عناصر من النسخ الأصلية، بينها الرومانسية والشتائم والفكاهة الجريئة والملابس القصيرة والكحول والدماء والإشارات إلى السحر أو إلى تصورات غير إسلامية عن الحياة الآخرة.

ويرى بعض المهتمين بالمانغا والأنمي أن الرقابة التي خضعت لها الدبلجات العربية، ومحاولة تحميلها رسائل تربوية وآمنة أسرياً، أضعفت أحياناً جوانب من الأعمال الأصلية وغيّرت نبرتها ودلالاتها.

أما إدريس، فلا تقدم هذه التدخلات بوصفها مكسباً، لكنها تلفت إلى أن الأعمال المدبلجة احتفظت، رغم ذلك، بقدرتها على تقديم حبكات معقدة وشخصيات مهمشة، وحكايات عن أناس عاديين يواجهون العنف والقسوة.

وتربط إدريس جاذبية الأنمي في المنطقة أيضاً بقدرته على مخاطبة أطفال عاشوا الحروب. وتستشهد بمكانة "غرندايزر" لدى جيل الحرب الأهلية اللبنانية، ثم عودته رمزاً لدى أطفال الحرب السورية. فهذه الأعمال، على الرغم من الرقابة التي خضعت لها، ظلت قادرة على تأكيد قيمة السلام والطفولة والشجاعة الفردية في مواجهة واقع قاسٍ.

ينسحب الأمر ذاته على "كابتن ماجد"، الذي استمد أهميته الثقافية من قدرته على الجمع بين الخيال الرياضي والمنظومة القيمية التي أبرزتها النسخة العربية. لم يكن بطله يطارد الفوز وحده، بل قدّم نموذجاً قائماً على الالتزام بالفريق واحترام الخصم والنهوض بعد الهزيمة. وهكذا تحولت حكايته من سلسلة مباريات مدرسية إلى قصة عن الطموح والثبات، يمكن للطفل العربي أن يتبناها من دون أن يعرف شيئاً عن اليابان.

وتظهر دراسة نشرت عام 2021 شملت شريحة من جمهور الأنمي في الإمارات أن جاذبية هذه الأعمال استمرت لدى أجيال شابة. فقد رأى المشاركون فيها وسيلة للتخفيف من القلق والابتعاد مؤقتاً عن ضغوط الدراسة الجامعية وبعض القيود الاجتماعية.

وتقول الباحثة عروة طارق، في مادة نشرها موقع "كوميونيكيت" في أغسطس/آب 2021، إن المشاركين وجدوا في الرسوم والموسيقى والحبكات البسيطة والجذابة ما ساعدهم على تبني نظرة إلى الحياة "إيجابية ومتفائلة"، ووفّر لهم مساحة بعيدة عن ثقل الواقع اليومي.

وفي المادة نفسها، قال نديم دادا، نائب رئيس استحواذ المحتوى في منصة "ستارزبلاي" آنذاك، إن جاذبية الأنمي لا تعود إلى الهروب من الواقع وحده، ولا إلى العوالم الغامضة والأسطورية التي يصنعها فحسب، بل إلى فرادته كنوع فنّي أيضاً.

وبرأيه، يتمتع الأنمي بإحساس خاص لا توفره المسلسلات التمثيلية أو أفلام الرسوم المتحركة الهوليوودية. فتجربة مشاهدة مسلسل أنيمي تبدو "سريالية وآسرة"، وتستند إلى قوة سردية تتيح لها الوصول إلى الجمهور، من دون أن تتطلب منه معرفة بالإحالات الثقافية الغربية.

ويتجلّى ذلك بوضوح في "كابتن ماجد"، الذي يحوّل مباراة مدرسية إلى ملحمة، وتسديدة واحدة إلى لحظة مصيرية، وحلم طفل ياباني إلى حكاية مشتركة بين أطفال من بلدان وثقافات مختلفة. وهذا ما يفسر بقاء ماجد حاضراً بعد انتهاء الطفولة: لم يكن مجرد لاعب كرتوني، بل كان بطلاً اختبرنا من خلاله معنى الانتظار والخسارة والأمل في الفوز.

وفي مقاله "مواجهة المراهقة العربية عبر الأنمي" المنشور في مجلة "نيو لاينز" عام 2023، يكتب جاي دي هارلوك (اسم مستعار) أن مسلسلات الأنمي المدبلجة وفرت بديلاً عن "الذكورة السامة" التي هيمنت على معظم الإعلام العربي والأمريكي في ذلك الوقت. ويقول إن النسخ العربية غيّرت بعض الأسماء وخضعت لقدر من الرقابة، لكنها لم تسلب القصص قوتها الأساسية.

ويكتب هارلوك أن أبطال الأنمي لم يكونوا منشغلين بالمظاهر والثراء والمكانة الاجتماعية، وهي صفات ارتبطت غالباً بالأشرار. أما الأبطال، فكانوا يرفضون التصنّع، ويتمسكون بشخصياتهم وقيمهم، ولا يسعون إلى تغيير أنفسهم طلباً للقبول.

وبحسب قراءته، لم يكن الأنمي يحتفي بالفردية وحدها، بل بالصداقة أيضاً، فالأبطال لا ينجون لأنهم الأقوى، بل لأنهم يتعلمون الثقة بالآخرين وحماية رفاقهم.

ويجسّد ماجد هذا النموذج من البطولة، فهو بطل لا تقوم قوته على العنف أو استعراض الهيمنة.

مشجعون يابانيون يرفعون لافتة عملاقة لشخصية "كابتن تسوباسا"، قبيل مباراة اليابان وبلجيكا في دور الـ16 من كأس العالم 2018، على ملعب روستوف أرينا في روسيا، في 2 يوليو/تموز 2018.

صدر الصورة، AFP via Getty Images

التعليق على الصورة، مشجعون يابانيون يرفعون لافتة لشخصية "كابتن ماجد" قبل مباراة اليابان وبلجيكا في دور الـ16 من كأس العالم 2018 في روسيا

مونديال 2026 وأحلام جمهور ماجد

ونصل، نحن الذين لم نشجع في كرة القدم إلا الكابتن ماجد، إلى مونديال 2026 في ظل حضور عربي غير مسبوق. فللمرة الأولى في تاريخ البطولة، تشارك ثمانية منتخبات عربية: الجزائر ومصر والعراق والأردن والمغرب وقطر والسعودية وتونس. ويخوض الأردن النهائيات للمرة الأولى، فيما يعود العراق بعد مشاركته الوحيدة عام 1986.

وتأتي البطولة في وقت تعيش فيه المنطقة حروباً وأزمات إنسانية متواصلة. لن تغيّر كرة القدم هذا الواقع، لكنها تتيح لملايين المشجعين متابعة حدث مشترك لا يرتبط، هذه المرة، بأخبار الحرب.

والواقع أن شغف الجماهير العربية بكرة القدم لم يكن يوماً مرهوناً بنتائج منتخبات المنطقة في التصفيات العالمية. فالبيوت والمقاهي والشوارع تتابع الدوريات المحلية والدولية بحماسة، حتى وإن ظل وصول المنتخبات واللاعبين العرب إلى أعلى مستويات المنافسة العالمية أمراً نادر الحدوث.

وربما ملأ ماجد، في طفولتنا، جانباً من هذا الغياب الرياضي العربي عن المنافسات الكروية العالمية. فقد منحنا البطل الكرتوني انتصارات نتخيلها، ولبّى شيئاً من حاجتنا إلى بطل نتابع رحلته وننتظر فوزه.

ولهذا السبب ربما، حين صار اللاعب المصري محمد صلاح واحداً من أبرز هدافي الدوري الإنجليزي، وفاز مع ليفربول بدوري أبطال أوروبا، تجاوزت شعبيته حدود مصر. فقد رأى فيه كثيرون لاعباً عربياً ينافس باستمرار في أعلى المستويات، ويحقق على أرض الملعب بعضاً مما مثّله ماجد في خيالنا.

وفي مونديال 2026، تكتسب مشاركة المنتخبات العربية الثمانية دلالة خاصة لدى الجيل الذي نشأ على حلم ماجد بالوصول إلى كأس العالم. فما كنا ننتظره منه في حلقات المسلسل، سنراه هذه المرة في لاعبين من مدن وأحياء وشوارع نعرفها، يجسّدون أحلام ملايين يتوقون إلى سماع خبر مفرح واحد.