You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
الصراع مع إيران يهدد اقتصادات الخليج على المدى الطويل
- Author, سمير هاشمي
- Role, مراسل شؤون الأعمال
- Reporting from, دبي
- مدة القراءة: 6 دقائق
في أوائل تسعينيات القرن الماضي، كانت قطر تمرّ بضائقة اقتصادية، مع ارتفاع مستويات الدين وضعف إيرادات الدولة، ما شكل ضغطاً كبيراً على ماليتها العامة. ولتغيير مسارها الاقتصادي، اتخذت الدولة الخليجية الصغيرة رهاناً حاسماً على الغاز الطبيعي.
فقد مضت في تطوير احتياطياتها البحرية الضخمة من الغاز، والأهم من ذلك، تبريده بدرجات شديدة الانخفاض لتحويله إلى غاز طبيعي مسال، يمكن نقله بالسفن إلى دول حول العالم.
وقاد ذلك القرار إلى إنشاء رأس لفان، المدينة الصناعية الواقعة على الساحل، على بعد نحو ساعة بالسيارة من العاصمة الدوحة. وخلال العقود الثلاثة التالية، تحولت رأس لفان إلى أكبر مركز في العالم لتصدير الغاز الطبيعي المسال، وساهمت في جعل قطر واحدة من أغنى دول العالم.
لكن في 18 آذار/مارس، تعرضت قصة النجاح هذه لهزة قوية.
ضرب صاروخ باليستي إيراني مجمع رأس لفان الرئيسي للغاز، ما أدى إلى تعطيل ما يُقدّر بنحو 17 في المئة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالمياً.
ومن المتوقع أن تتكبد شركة "قطر للطاقة" المملوكة للدولة خسائر قدرها 20 مليار دولار، من إيراداتها السنوية، في حين تسبب الهجوم في اضطراب الإمدادات إلى أسواق رئيسية في آسيا، من بينها الصين. وقد تستغرق أعمال التصليح ما بين ثلاث وخمس سنوات.
وتقول كارين يونغ، الباحثة البارزة في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا: "كان الهجوم صادماً، سواء لأسواق الطاقة العالمية أو لدول الخليج نفسها، التي باتت تشعر الآن بأنها شديدة الانكشاف".
وقال الرئيس التنفيذي لـ"قطر للطاقة"، سعد الكعبي، إن حجم الأضرار "أعاد المنطقة إلى الوراء بما بين 10 و20 عاماً".
وجاءت الضربة الإيرانية بعدما قصفت إسرائيل حقل بارس الجنوبي للغاز في إيران، المتاخم لحقل الشمال القطري. ويشكل الحقلان معاً أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم.
في أنحاء الخليج، تسبب الصراع المستمر مع إيران بأضرار تصل إلى 58 مليار دولار، وفق أحد التقديرات.
ومنذ أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربات على إيران في 28 شباط/فبراير، تعرضت أكثر من 80 منشأة للاستهداف، ولحقت أضرار جسيمة بأكثر من ثلثها، بحسب وكالة الطاقة الدولية. وإلى جانب قطر، سُجلت أضرار أيضاً في البحرين والكويت والسعودية والإمارات العربية المتحدة.
وقد دفع ذلك المنطقة إلى صدمة اقتصادية كبيرة.
وخفض البنك الدولي توقعاته للنمو في الشرق الأوسط إلى 1.8 في المئة هذا العام، نتيجة الحرب، محذراً من أن تداعياتها قد تخلّف "ندوباً" طويلة الأمد.
وكان البنك قد قدّر سابقاً أن يبلغ النمو 4 في المئة في عام 2026. ويقول إن قطر والكويت ستشهدان أكبر انكماش.
في المقابل، أظهرت السعودية والإمارات قدراً أكبر من الصمود، ويرجع ذلك أساساً إلى أن بعض صادراتهما النفطية لا تمر عبر مضيق هرمز الذي أغلقته إيران.
ويقول جاستن ألكسندر، مدير شركة "خليج إيكونوميكس" الاستشارية المعنية بدراسة المنطقة، إن التأثير على دول الخليج شديد. ويضيف أن تقييم حجم الأضرار بالكامل ما زال صعباً، لأن الصراع لم يُحسم بعد.
ويقول: "حتى لو توقفت الحرب اليوم، فسيظل هناك تأثير كبير قبل أن تعود الأمور إلى طبيعتها".
ولا تقتصر الأضرار التي تلحق بالاقتصادات على الأضرار المادية التي أصابت البنية التحتية للطاقة.
فقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تراجع حاد في صادرات النفط والغاز، ما زاد الضغوط. وعادة ما يمر عبر هذا الممر الضيق نحو 20 في المئة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.
وبالنسبة إلى منتجي الخليج، يمثل المضيق شرياناً اقتصادياً حيوياً. واضطرت السعودية إلى الاعتماد بدلاً من ذلك على خط أنابيبها شرق-غرب لنقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، في حين تستخدم الإمارات خط أنابيب الفجيرة لتجاوز المضيق. لكن هذه البدائل مجتمعة لا تستطيع نقل سوى أقل من نصف الكميات التي تمر عادة عبر هرمز.
ووصف رئيس وكالة الطاقة الدولية الوضع بأنه "أكبر أزمة طاقة في التاريخ". في المقابل، حذر وزير المالية القطري من أن التداعيات الاقتصادية الكاملة لحرب إيران لم تظهر بعد.
ويقول بدر السيف، الأستاذ في جامعة الكويت والزميل في مركز الأبحاث "تشاتام هاوس"، إن الأزمة قد تدفع دولاً مثل قطر والكويت والبحرين إلى تطوير شبكات خطوط أنابيب أيضاً كبديل لناقلات النفط والغاز.
ويقول: "لا يمكنها الاعتماد على مسار واحد فقط لنقل النفط والغاز. اليوم إيران، وقد يكون هناك تهديد خارجي آخر في المستقبل".
وتتسع التداعيات الاقتصادية إلى ما يتجاوز قطاع الطاقة.
فقد تضرر قطاع السفر والسياحة - وهو ركيزة أساسية في خطط التنويع الاقتصادي بعدة اقتصادات خليجية - بشدة. وقدّر المجلس العالمي للسفر والسياحة، في آذار/مارس، أن الشرق الأوسط يخسر نحو 600 مليون دولار يومياً من إيرادات السياحة منذ بدء الحرب.
وكانت الإمارات، التي أمضت عقوداً في بناء مكانتها كمركز سياحي عالمي، من بين الأكثر انكشافاً. وتفيد شركات مرتبطة بقطاعي السفر والضيافة في دبي بتراجع حاد في الحجوزات، إلى جانب إلغاءات وانخفاض في أعداد الزوار، ما أدى إلى فقدان وظائف وإجازات غير مدفوعة.
وتظهر أيضاً مؤشرات على ضغوط أكبر في النظام المالي. ففي الشهر الماضي، قال دونالد ترامب إن الولايات المتحدة تدرس تمديد خطوط مبادلة العملات إلى حلفاء خليجيين، من بينهم الإمارات، لتخفيف ضغوط السيولة بالدولار.
ومن شأن مثل هذه الترتيبات أن تتيح للمصارف المركزية الوصول إلى الدولار الأمريكي بسهولة أكبر. لكن الإمارات قللت من أهمية هذا التطور. وقال يوسف العتيبة، سفير البلاد لدى الولايات المتحدة، إن التصورات التي تشير إلى أن بلاده تحتاج إلى دعم مالي خارجي "تسيء قراءة الوقائع".
كما أعلنت الإمارات أنها ستنسحب من منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، ما يمنحها حرية أكبر في زيادة صادراتها. وكانت رابع أكبر منتج داخل المنظمة، التي تسيطر على نحو 37 في المئة من الإمدادات العالمية.
وفي أنحاء الشرق الأوسط الأوسع، ستظل غزة ولبنان وسوريا معتمدة على الدعم المالي من دول الخليج الغنية بالنفط لإعادة بناء اقتصاداتها. لكن هذا الدعم قد يتعرض الآن لضغوط، مع تحويل الحكومات الخليجية مواردها نحو إعادة بناء اقتصاداتها هي.
ويقول ألكسندر: "قد لا تكون المبالغ الكبيرة من المساعدات والاستثمارات التي ربما يحتاج إليها بعض الناس في المنطقة متاحة".
وقد يؤثر الصراع أيضاً على برامج التنويع الاقتصادي في دول الخليج، التي تستثمر مليارات الدولارات في قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والرياضة والترفيه، للحد من اعتمادها على إيرادات النفط.
وضخت السعودية والإمارات مليارات الدولارات لترسيخ موقعهما كمركزين إقليميين للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، بهدف جذب أصحاب المهارات العالية.
ويتساءل بعض المحللين عما إذا كانت دول الخليج قد تخفض استثماراتها في الولايات المتحدة. ويقول السيف: "ستخضع تلك الالتزامات بمئات المليارات والتريليونات في الولايات المتحدة لتدقيق جديد من بعض الدول".
وهناك أيضاً مخاوف من أن الضغوط الاقتصادية قد تتفاقم أكثر، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق دائم لإنهاء الصراع مع إيران، يتضمن ضمانات ببقاء مضيق هرمز مفتوحاً.
وتقول يونغ: "على دول الخليج أن تستعد ربما لفترة ممتدة من عدم الاستقرار؛ صراع غير محسوم أو منخفض الحدة داخل المنطقة، قد يستمر إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق".