كيف يعمل "جيش التعاطف الإلكتروني" على دعم من يواجهون السخرية والتنمّر؟

امرأة مغمضمة تضع ذقنها بين راحتيها، بينما يرتسم على وجهها شعور بالارتياح

صدر الصورة، BBC/ Serenity Strull/ Getty Images

    • Author, توماس جيرمين
    • Role, بي بي سي
  • Published
  • مدة القراءة: 5 دقائق

في جزيرة ستاتن بنيويورك، اعتادت لورا تايغيليرو أن تغرق في بحر من الكراهية، وهي تقرأ التعليقات على صفحتها عبر تطبيق "تيك توك" كل يوم، قائلة: "الجميع يسخرون من عيني".

وتعاني تايغيليرو مرض التصلّب المتعدد، وهو مرض مناعي ذاتي، يؤثر على حركة عينيها الزرقاوين فتبدو كما لو كانت حَولاء.

وعبر تيك توك، تنشر تايغيليرو مقاطع فيديو بوصفات صحية وتسعى لتكوين أصدقاء، لكنهم "يعلقون بأشياء فظيعة تؤذي مشاعري".

لكنّ كل شيء تغيّر في أحد أيام مارس/آذار الماضي؛ عندما حقق أحد فيديوهات تايغيليرو مشاهدات عالية وحصد تعليقات إيجابية من أكثر من 15 شخص.

تتذكر تايغيليرو قائلة: "لم أدرِ ما الذي يجري. كنت مذهولة"، قبل أن تكتشف بعد أيام أن "جيش التعاطف" شنّ هجوماً إيجابياً على قناتها عبر تيك توك.

ولـ "جيش التعاطف" حساب عبر منصة تيك توك بقيادة تايلر بريكلي، وهو مسوّق رقمي من مدينة كانساس الأمريكية.

وفي عام 2023، دشّن بريكلي مبادرة جيش التعاطف، الذي يشبه من أحد وجوهه "الذباب الإلكتروني"، على حد تعبيره.

وفي كل يوم، يوجّه بريكلي جيشه المكوّن من نصف مليون حساب إلكتروني لنُصرة شخصٍ ما يواجه التنمّر أو يعاني التجاهل والإهمال، ليجد هذا الشخص نفسه مغموراً بسيل من التعليقات الإيجابية المتعاطفة.

يقول بريكلي: "نستخدم نفس آليات التحرش الإلكتروني، من تنسيق وعدم كشف عن الهوية، ولكننا نوجّهها للخير. وأستطيع القول إن الطريقة مُجدية".

الأمر الأكثر إمتاعاً هنا من كون الناس لُطفاء، هو أن هذا الهجوم الإيجابي عادة ما يؤذن بتوقف التنمّر، وفي بعض الأحيان للأبد – في مثال لما يُعرّفه بعض العلماء بـ "نظرية العدوى الاجتماعية"، حيث يتفشّى سلوك إيجابي بين الأشخاص كالعدوى الفيروسية.

ويرى باحثون بارزون أن "جيش التعاطف" هذا يُظهر مدى إمكانية تغيير المسار ليس فقط عبر منصة إلكترونية، وإنما تغيير ثقافة كاملة.

في ذلك، يقول أستاذ العلوم الاجتماعية والطبيعية بجامعة ييل، نيكولاس كريستاكيس: "هذا النوع السلوكي عبر الإنترنت رائع، لكننا بالطبع في حاجة إلى المزيد".

ومن الممكن لجيش التعاطف هذا أن يمثّل أساساً يبني عليه آخرون، في سبيل معالجة أوجه القصور التي تعاني منها مجتمعاتنا.

هجوم إيجابي

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

يتذكر بريكلي أنه في الأول من يناير/كانون الثاني من عام 2023، رصد كثيراً من التعليقات السلبية لأشخاص ربما لا يقصدونها على وجه التحقيق، وكأنما بلا وعيّ "يتبعون القطيع".

"كانت هذه لحظة إلهام" بحسب بريكلي، الذي تساءل: "ماذا لو دشّنتُ عشرة حسابات وقُمنا بهجوم من التعليقات الإيجابية وغيّرنا الاتجاه".

وكان الرقم عشرة متواضعاً؛ فقد دشّن بريكلي 350 حساباً قادراً على عمل ألف تعليق إيجابي في المتوسط على كل فيديو.

فيما يمكن للمنشورات الناجحة أن تحظى بعشرات الآلاف أو أكثر من تلك التعليقات، محققة ملايين المشاهدات. ومؤخراً، انضمّت إلى هذا الجيش الإلكتروني الممثلة والمغنية والعارضة الأمريكية الشهيرة باريس هيلتون.

ويُظهر المهاجمون من جيش التعاطف مدى حُبّهم لحساب الشخص الذي يقصدونه ويرابطون حوله، وهو ما يغيّر حياة الكثيرين ممن يهاجمونهم.

تحكي رينيه بِنيك، وهي جدّة من أوهايو الأمريكية، أنها كانت رفقة زوجها الراقد في المستشفى عندما هاجمهم المتعاطفون، قائلة إن هذا الهجوم منحها قوّة في أزمتها وبنى مجتمعاً بالكامل حول فيديوهاتها.

وتقول نوكتيرن، وهي موسيقية تعيش في شمال ولاية نيويورك، إن هجوم المتعاطفين خلّف لها العديد من المعجبين الجُدد الذين سعدت كثيراً بوجودهم.

وعندما وجّه بريكلي صفوف جيشه من المتعاطفين صوب حساب لورا تايغيليرو (مريضة التصلّب المتعدد)، أكسبها هذا الهجوم العديد من المتابعين الجُدد على منصة تيك توك التي بدأت بفضل ذلك تدفع لها أموالاً لتتمكن تايغيليرو من شراء سيارة جديدة كانت أسرتها في حاجة ماسة إليها.

تقول تايغيليرو: "حلمت بحياة أفضل، وقد منحي تايلر بريكلي الفرصة. إنني مدينة له بكل ذلك. حتى وإنْ اختلف معي في ذلك".

ويحرص بريكلي على العمل في الخفاء، قائلاً: "لسنا نحن هدف القصة. إنما الهدف هو تحويل الدفة وإزاحة كافة التعليقات السلبية من طريق الأشخاص المستهدفين وإضفاء هالة على المحتوى الذي يشاركونه في المقابل".

عدوى التعاطف

يتحدث الناس عن الظلام الإلكتروني المعتاد، ويصفون الإنترنت كما لو كان مرآة تعكس قسوة الروح البشرية.

فيما يرى نيكولاس كريستاكيس أن هذه قراءة ليست دقيقة لما تحفل به منصات التواصل الاجتماعي، قائلا: "نعم، نحن البشر نتطور لنصبح أكثر قدرة على الكذب وعلى تكوين التجمعات القبَلية وأكثر قدرة على القيام بالشرور وإلحاق الأذى؛ لكننا في الوقت نفسه وبالتساوي نتطور أيضاً على صعيد الخير وإظهار سمات الحب والصداقة والتعاطف".

وفي كتاب له بعنوان "مخطط تفصيلي: أصول تطوّر المجتمع الطيب"، يذهب كريستاكيس إلى القول بأن السمات الطيبة يجب أن تغلب على السيئة في طبيعتنا البشرية، وإلا فسوف نميل إلى العيش في عزلة بدلاً من العيش في تجمّعات حيث نتعارف ونتعامل مع بعضنا البعض.

هذه السمات البشرية القديمة تنعكس على مرآة منصات التواصل الاجتماعي، التي تستوعبها جميعاً، لتشهد ساحاتها صراعاً بين الخير والشر، تحرّكه من خلف الستار خوارزميات، في ظل عدم الكشف عن هوية جنود جيش التعاطف، فيما نتابع نحن هذا الصراع عبر التحديق في هواتفنا.

بعبارة أخرى، يقول كريستاكيس إن ما يقوم به جيش المتعاطفين هو تحييد الأثر السيّء لمنصات التواصل الاجتماعي والتشجيع في المقابل على التفاعل الطبيعي الإيجابي، ويثمر ذلك العمل عن منْع البعض من الدخول على صفحات أشخاص لا يعرفونهم والتنمّر عليهم.

ويمكن لمثل هذا العمل أن يثمر عن آثار أكبر، وعن "سلاسل من التعاطف" على نحو ما كشفت أبحاث كريستاكيس: فـ "أنت لطيف مع سوزي، وسوزي لطيفة مع بِتي، وبِتي لطيفة مع تومي. وعليه، فإن الطريقة التي تتعامل بها بِتي مع تومي تعتمد على الطريقة التي تتعامل بها أنت مع سوزي، رغم أنه لا أنت ولا أنا سبق لنا التعامل مع بِتي أو تومي".

وفي فضاء الإنترنت، الذي يمكن أن يكون مُفعماً بالقُبح، يقول كريستاكيس إن جيش المتعاطفين وقع على حلّ مدعوم عِلمياً؛ فعندما يتوقف الناس عن الانغماس في التحرش الإلكتروني ويبدؤون بدلاً من ذلك في التواصل مع بعضهم البعض، فإن ذلك كفيل بتغيير سلوكياتهم، بحسب ما كشفت الأبحاث العلمية.

وهناك مَن يتطوّع لحمل عِبء تنسيق كل هذا التعاطف.

"إنهاك"

في سبتمبر/أيلول 2025، نما عدد جيش المتعاطفين بقيادة بريكلي من 30 ألفاً إلى 200 ألف حساب دفعة واحدة.

وبحسب بريكلي، فإن هذا النمو كان "مذهلا" لكنه جاء مصحوباً بثمن، قائلاً: "ذات يوم حدّقت في هاتفي، وانتابني شعور بأنني لن أستطيع النهوض بذلك العمل".

وليس المشروع مربحاً. وتدفع منصة تيك توك للحسابات التي تحظى بقاعدة عريضة من المتابعين، وبحسب بريكلي، فإنه حقّق في أغسطس/آب 39 دولاراً فقط، مؤكداً أنه يقوم بهذا العمل مدفوعاً بمسؤولية شخصية.

وفي كل يوم يرشّح المتابعون عدداً يتراوح بين 20 إلى 100 من هجمات الدعم بالتعاطف عبر استمارة على موقع المبادرة عبر الإنترنت. لكن اهتمام الجمهور يبقى محدوداً، ويكتفي بريكلي بنشر عملية دعم واحدة يومياً.

"هذا يعني أن 20 شخصاً يقفون يومياً على عتبة بابي في حاجة للدعم. كلهم يعاني قسوة متعمّدة، وأجدني مضطر إلى أن أشيح بوجهي عن 19 منهم، وفي اليوم التالي هناك 20 آخرون". وفي ظل ثِقل العبء كان على بريكلي أن يخلد إلى الراحة لبعض الوقت.

وعلى سبيل التخفف من العبء النفسي، كان على بريكلي أن يعيد صياغة المبادرة في ذهنه. ولم يكن في وسعه أن يساعد كل المحتاجين، لكنّ كتائب الدعم يمكن أن ترشّح في كل يوم واحداً لتدعمه. كما نظّم بريكلي عدداً من المتطوعين للمشاركة في العبء اللوجستي للعمل.

تقول أليس مارويك، مديرة الأبحاث في معهد بحوث البيانات والمجتمع في نيويورك: "قضيت عقدين في دراسة ثقافة الإنترنت بشكل مهني، وللأشياء من هذا القبيل صلاحية محددة للغاية. وعادة ما تقلّ الدافعية لدى القائم بتلك الأعمال في غضون عام أو عامين من انطلاق المبادرة".

وترى مارويك أن منصات التواصل الاجتماعي تتحمل جانباً كبيراً من مسؤولية سلوك المستخدمين، لكن لا يمكن أن نقصر اللوم على الخوارزميات.

تقول مارويك: "ما نحتاج إليه هو تغيّر أكبر في المعايير الاجتماعية فيما يتعلق بكيفية التعامل مع الآخرين عبر الإنترنت. أحب فكرة دعم السلوك الاجتماعي عبر الإنترنت، ونحتاج بعض الوقت للوقوف على مدى جدواها في التغيير".

وفي الخريف الماضي، خضع بريكلي لعملية جراحية في الظهر، وعندما فتح عينيه وجد زوجته في حالة غريبة، قبل أن تطالبه بتفحُّص هاتفه"، كما يتذكر، قائلا إنها غادرت غرفته في المستشفى لتشارك منشوراً عبر منصة تيك توك. كان بريكلي نفسه يتلقى دعماً من المتعاطفين.

يقول بريكلي: "كان هنالك ألف تعليق إيجابي. عكفت على قراءتها جميعا. وكنت أختنق بالعبرات، قبل أن أنفجر باكيا".

"وأدركت للتوّ أن الأمر حقيقي، وأنه بالفعل يمكن أنْ يساعد، واتضحت أمام عيني أمور كثيرة في تلك اللحظة". وكان بريكلي يعود إلى التعليقات بين الفينة والفينة مُلتمساً القوة.

يقول بريكلي: "بدا الأمر كما لو كان نداء. إن جيش التعاطف هو مجرد خطوة أولى. والتعاطف بالنسبة للجميع، يبدو مكاناً تحسُن منه البداية".