هل يؤثر التصفح اللانهائي للفيديوهات على ذاكرة الشباب وانتباههم؟

صدر الصورة، Getty Images
- Author, هيفار حسن
- Role, بي بي سي نيوز عربي
- Published
- مدة القراءة: 6 دقائق
قد تفتح هاتفك لمشاهدة مقطع فيديو واحد قبل النوم أو خلال استراحة قصيرة. تمر الدقائق الأولى وأنت تتصفح مقطعاً تلو الآخر في عملية لا يبدو أن لها نهاية، وقد ترفع عينيك عن الشاشة أخيراً، لتكتشف أن ساعات قد مرت دون أن تشعر بالوقت.
هذا الطقس اليومي أصبح جزءًا من طريقة استخدام العديد من الأشخاص لمقاطع الفيديو القصيرة على منصات مثل تيك توك وإنستغرام ريلز ويوتيوب شورتس وفيسبوك.
والسؤال ليس فقط كم عدد الساعات التي يقضيها الشباب أمام الشاشات، بل هل يمكن للسرعة التي يتنقلون بها من مقطع قصير إلى آخر، ولطريقة تصميم هذه المنصات، أن تؤثرا في قدراتهم على التركيز والانتباه والاحتفاظ بالمعلومات؟
ما الذي يحدث عندما لا يتوقف المحتوى؟

صدر الصورة، Getty Images
مراجعة علمية حديثة لـ 42 دراسة، شملت نحو 46,900 مشارك بمتوسط عمر 16.8 عاماً، نشرتها دار سبرينغر نيتشر العالمية (Springer Nature)، في يونيو/حزيران، تحت عنوان "هل يمكن كبح جماح التصفح اللانهائي؟ مقاطع الفيديو القصيرة والروتين الرقمي والنتائج العصبية المعرفية لدى الشباب"، وجدت ارتباطات متكررة بين الاستخدام المكثف وغير المنظم لمقاطع الفيديو القصيرة (عادةً لعدة ساعات يومياً) بشكل ثابت بما يلي:
- زيادات طفيفة إلى متوسطة في تشتت الانتباه.
- انخفاض متوسط في سعة الذاكرة العاملة والقدرة على التنظيم الذاتي.
- ارتفاع متوسط في مستويات القلق والاكتئاب والتوتر.
- زيادة تتراوح بين المتوسطة والكبيرة في أعراض الإدمان.
لكن المراجعة لا تقول إن هذه النتائج تثبت أن المقاطع القصيرة تسبب ضعف الذاكرة أو قصر مدى الانتباه. والسبب هو أن معظم الدراسات التي حللها الباحثون كانت مقطعية (أجريت في فترة زمنية محددة)، ولا تزال هناك حاجة إلى دراسات أطول وأكثر صرامة لحسم نوعية العلاقة.
إذاً، ماذا يفعل بك نمط المشاهدة الذي صُمم بحيث لا ينتهي؟
السرعة والتصفح اللانهائي

صدر الصورة، Getty Images
تشير الدراسات ما قبل السريرية إلى أن الإفراط في التحفيز السمعي البصري في مراحل مبكرة من العمر يمكن أن يعيد تشكيل السلوك وبنية الدماغ، وتؤكد هذه النتائج احتمالية وجود تأثيرات بيولوجية خلال مرحلتي نمو حاسمتين هما الطفولة والمراهقة، وهي فترات لا تزال فيها قدرات التحكم في الانتباه وتوقع المكافأة والتنظيم الذاتي في طور النضج.
كما ركز الباحثون في الدراسة على ثلاثة عناصر يعتمدها مصممو هذه المنصات، ليس كتصنيف شامل أو سببي بل كأداة تحليلية عملية وهي:
- الخوارزمية التي تختار المحتوى للمستخدم.
- التصفح اللانهائي الذي يلغي إشارات التوقف الطبيعية.
- السرعة التي ينتقل بها المستخدم من مقطع إلى آخر.
وتستطيع الخوارزميات تخصيص المقاطع التالية وفقاً لما يجذب كل مستخدم، بما قد يعزز الانغماس ويفقد الإحساس بمرور الوقت، كما أن للسرعة أهمية خاصة، لأن الانتقال المتكرر والسريع بين المقاطع يعني أن المستخدم ينتقل باستمرار من سياق ذهني إلى آخر، حيث تشير الأدلة التي تستند إليها المراجعة إلى ارتباط هذا النوع من الانتقال بضعف الذاكرة المستقبلية، أي القدرة على تذكر القيام بشيء ما في وقت لاحق.
أما التصفح اللانهائي، فيجعل الاستمرار في المشاهدة أسهل، لأن المستخدم لا يواجه نقطة واضحة تقول له إن المحتوى انتهى.
"الأدلة السلوكية أكثر إقناعاً من صور الدماغ"

صدر الصورة، NYU
توصلت المراجعة أيضاً إلى وجود مؤشرات عصبية مرتبطة بالتصفح المكثف، منها اختلافات في بعض مؤشرات المادة الرمادية (وهي جزء من نسيج الدماغ يرتبط بوظائف مهمة مثل الانتباه والذاكرة واتخاذ القرار) وتغيرات في تزامن الإشارات العصبية أثناء الراحة، وانخفاض في سعة موجة P300 (وهي إشارة كهربائية في الدماغ ترتبط بالانتباه ومعالجة المعلومات والاستجابة للمنبّهات المهمة).
ويقول البروفيسور جاي فان بافيل، أستاذ علم النفس وعلم الأعصاب في جامعة نيويورك، لبي بي سي نيوز عربي: "حالياً دراسات علم الأعصاب في هذا الشأن لا تزال في مراحلها الأولية، ويعتمد على تصميمات ارتباطية وعينات صغيرة نسبياً، لا سيما دراسة تخطيط الدماغ الكهربائي التي قارنت بين 14 مستخدماً مُفرطًا و15 مستخدماً منتظماً، لذلك لا أنصح بالاعتماد كثيراً على هذه النتائج. أما الأبحاث السلوكية [التي تضمنتها المراجعة] فهي أكثر إقناعاً، إذ تستند إلى مجموعة أكبر من الدراسات وعينات أكبر وحتى أدلة تتبعية".
أيهما جاء أولاً: ضعف الانتباه أم المقاطع القصيرة؟

صدر الصورة، Getty Images
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
هذه هي المعضلة الأصعب.
فالأطفال والمراهقون يمرون بمرحلة لا تزال فيها أنظمة الانتباه والمكافأة والتحكم الذاتي في طور النمو. لكن ذلك لا يعني تلقائياً أن البيئة الرقمية عالية التحفيز هي التي تسببت في مشكلات الانتباه، بحسب المراجعة.
ويشرح فان بافيل أن معظم الدراسات الحالية هي مقطعية، ولذلك يصعب معرفة ما إذا كان الاستخدام المفرط يؤدي إلى قصر مدى الانتباه، أم أن الأطفال الذين يعانون أصلاً من ضعف الانتباه أو ميول فرط النشاط ينجذبون بصورة أكبر إلى البيئات الرقمية سريعة التحفيز.
ويرى فان بافيل أن الاحتمال الأقرب قد يكون أن العلاقة تسير في الاتجاهين معاً، موضحاً أن الأشخاص الذين لديهم قدرة أفضل على التحكم في انتباههم قد يكونون أكثر قدرة على استخدام هذه المنصات، وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن مشاهدة المقاطع القصيرة تساعد على تحسين القدرة على الانتباه.
ولحسم المسألة، يرى ضرورة إجراء تجارب تتابع المشاركين لعدة أشهر مع توزيعهم عشوائياً على مجموعات تشاهد المقاطع القصيرة أو تتوقف عندها، ومقارنتها بمجموعات تستخدم وسائل اجتماعية أخرى أو تشاهد مقاطع طويلة بدلاً من القصيرة.
المسألة ليست دائماً "ضرراً" مباشراً

صدر الصورة، University of Birmingham
البروفيسورة فيكتوريا غوديير، أستاذة النشاط البدني والصحة والرفاه في جامعة برمنغهام والباحثة في مجال دراسة العلاقة بين الشباب ووسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الرقمية، تقول لبي بي سي نيوز عربي "إن التركيز على عدد الساعات وحده قد لا يكون كافياً لفهم تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الانتباه والذاكرة".
وتوضح أن "الدراسات والأبحاث ركزت بشكل أساسي على "وقت الشاشة"، وأن الأدلة المتوفرة تُظهر وجود ارتباط سلبي - وإن كان طفيفاً، ولكنه ثابت على مستوى عامة السكان - بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والنتائج السلبية المتعلقة بالصحة النفسية".
وتضيف غوديير أن ثمة أدلة تشير إلى أن أنماطاً مختلفة من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون لها آثار إيجابية وسلبية على حد سواء.
"فالمراهقون الذين يشاركون المحتوى بشكل متكرر - بالإضافة إلى التفاعل أو التصفح - يواجهون خطراً أكبر للإصابة بمشكلات في الصحة النفسية، وفي المقابل، يمكن أن تكون الأنشطة الترفيهية - بما في ذلك ممارسة الألعاب وتبادل الرسائل والبحث عن المعلومات - مهمة لرفاهة الشخص، كما أنها تدعم سلوكيات صحية أخرى، مثل النظام الغذائي والنشاط البدني".
في إحدى الدراسات التي أعدتها فيكتوريا غوديير، بالتعاون مع 12 آخرين، حول الآليات التي تربط استخدام الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي بالصحة النفسية والرفاهية لدى المراهقين، أوضحت أن أبحاثها التي شملت 177 شخصاً من مراهقين وأولياء أمور وموظفين في عدة مدارس في أنحاء إنجلترا، ربطت مشاهدة المقاطع القصيرة "بآثار سلبية على الصحة الإدراكية، من بينها قصر مدة التركيز وتراجع مدى الانتباه، وانخفاض الاهتمام بالأنشطة غير المرتبطة بالشاشات وضعف القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات".
كما توضح أن الساعات التي يقضيها المراهق في التصفح قد تأتي أحياناً على حساب ساعات النوم والواجبات المدرسية والنشاط البدني واللعب والتواصل المباشر مع الآخرين أو الأسرة".
لكن في المقابل، تشير غوديير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي ليست تجربة سلبية بالكامل، قائلة "إن بعض أشكال استخدامها، مثل التواصل وتبادل الرسائل والبحث عن المعلومات، يمكن أن يكون ذا قيمة بالنسبة إلى رفاه الشباب".
هل ينبغي أن يقلق الآباء؟

صدر الصورة، Getty Images
لا تقدم الأدلة الحالية حكماً نهائياً بأن التصفح المتواصل للمقاطع القصيرة يسبب تلفاً في الدماغ أو ضعفاً دائماً في الذاكرة. لكنها ترسم صورة تستحق الانتباه، ألا وهي أن الاستخدام المكثف يرتبط بمجموعة من الصعوبات المعرفية والعاطفية، بينما لا تزال العلاقة السببية بحاجة إلى اختبار أكثر صرامة.
ويعتقد البروفيسور فان بافيل، أن هذه النتائج تمثل عامل خطر محتملاً يستحق أن يأخذه الآباء بجدية، خصوصاً عندما يتحول الاستخدام إلى تصفح لانهائي لساعات طويلة.
وفي المقابل، تشير المراجعة إلى عوامل يمكن أن تساعد في الحد من المخاطر، مثل وجود بيئة داعمة وروتين رقمي منظم، وامتلاك قدر من الوعي والثقافة الرقمية.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت المقاطع القصيرة سيئة في حد ذاتها، بل كيف تُستخدم، وكم تلتهم من وقت الشباب، وما الذي يحل محلها، وما إذا كان تصميمها يدفع المستخدم إلى الاستمرار دون نقطة توقف واضحة.
أما السؤال الأكبر: هل يغيّر التصفح السريع بحد ذاته طريقة عمل الانتباه والذاكرة؟ فإجابته لا تزال قيد البحث.






























