انتقادات أمريكية لصمت البنتاغون حيال ضربة طالت مدرسة إيرانية

نساء خلال تشييع ضحايا ضربة إسرائيلية استهدفت مدرسة

صدر الصورة، Reuters

    • Author, توم بيتمان، كاي بيغليوتشي
    • Role, بي بي سي نيوز
  • مدة القراءة: 7 دقائق

انتقد خمسة مسؤولين أمريكيين سابقين، بينهم محامية عسكرية بارزة سابقة، وزارة الدفاع الأمريكية، البنتاغون، لعدم إقرارها باحتمال ضلوع الولايات المتحدة في ضربة دامية استهدفت مدرسة إيرانية في وقت سابق من هذا العام.

وقال بعض هؤلاء المسؤولين إن من غير المعتاد إلى حد كبير ألّا تنشر حتى التفاصيل الأساسية للضربة بعد مرور كل هذا الوقت.

وكان صاروخ قد أصاب مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب، خلال الضربات الأولى من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط، ما أسفر عن مقتل 168 شخصاً، بينهم نحو 110 أطفال، وفقاً لمسؤولين إيرانيين.

ومنذ ذلك الحين، اكتفى البنتاغون، على مدى شهرين، بالقول إن الحادث قيد التحقيق.

نصب تذكاري لضحايا مدرسة ميناب

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، نصب تذكاري لضحايا مدرسة ميناب

وذكرت وسائل إعلام أمريكية في أوائل مارس/آذار أن محققين عسكريين أمريكيين يعتقدون أن القوات الأمريكية مسؤولة على الأرجح عن إصابة المدرسة من دون قصد، لكنهم لم يتوصلوا بعد إلى استنتاج نهائي.

ورداً على سلسلة أسئلة وجهتها بي بي سي بشأن الضربة والاتهامات بانعدام الشفافية، قال مسؤول في البنتاغون إن "هذا الحادث قيد التحقيق حالياً"، مضيفاً أن مزيداً من التفاصيل سيُعلن عند توفرها.

وراجعت بي بي سي ثلاث حالات سابقة قتل فيها مدنيون خلال عمليات عسكرية أمريكية، ووجدت أن البنتاغون نشر في كل حالة منها معلومات أكثر بكثير خلال أقل من شهر.

وقالت المقدمة المتقاعدة راشيل إي فانلاندينغهام، وهي محامية عسكرية سابقة في سلاح الجو الأمريكي، وعملت مستشارة قانونية كبيرة في القيادة المركزية الأمريكية خلال حربي العراق وأفغانستان، إن الموقف الأمريكي الحالي "يمثل خروجاً لافتاً عن الرد المعتاد".

وأضافت فانلاندينغهام: "أظهرت الإدارات السابقة، على الأقل، قدراً من الوفاء والالتزام بقانون الحرب"، معتبرة أن ما "يغيب" عن تصريحات الإدارة الحالية هو الالتزام بالمساءلة، و"الأهم من ذلك، بضمان عدم تكرار ما حدث".

هيغسيث يتحدث للصحفيين

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، قال هيغسيث عن الهجوم على مدرسة ميناب: "لا نستهدف أبداً أهدافاً مدنية"
تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة
قناتنا الرسمية على واتساب

تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي

اضغط هنا

يستحق الانتباه نهاية

في 7 مارس/آذار، قال الرئيس دونالد ترامب إن إيران، في "رأيه"، مسؤولة عن ضربة ميناب، من دون أن يقدم دليلاً. وبعد أيام، عندما سُئل عن مقطع فيديو يظهر صاروخ توماهوك أمريكياً يصيب القاعدة العسكرية المجاورة للمدرسة، قال: "لم أره"، وادعى، من دون دليل، أن إيران تمتلك صواريخ توماهوك.

وفي 11 مارس/آذار، عندما سُئل عن تقارير تفيد بأن تحقيقاً عسكرياً أولياً خلص إلى أن الولايات المتحدة أصابت المدرسة، قال ترامب: "لا علم لي بذلك".

وكانت بي بي سي قد سألت وزير الدفاع بيت هيغسيث في 4 مارس/آذار عن الضربة، فقال: "كل ما يمكنني قوله هو أننا نحقق في الأمر. وبالطبع، لا نستهدف أبداً أهدافاً مدنية".

وامتنعت وزارة الدفاع الأمريكية عن الإجابة عن أسئلة عدة بشأن الضربة. كما رفضت مراراً توضيح ما إذا كانت القاعدة العسكرية الإيرانية المجاورة للمدرسة من بين أهدافها المحددة سلفاً في 28 فبراير/شباط، رغم أنها تحدثت علناً، في عشرات الحالات الأخرى خلال الحرب، عن أهداف أو عمليات كانت مقررة مسبقاً.

وفي الشهر الماضي، تحققت بي بي سي بشكل مستقل من صحة مقطع فيديو يظهر صاروخ توماهوك أمريكياً يضرب قاعدة للحرس الثوري الإيراني بجوار المدرسة. ونقلت تقارير إعلامية أمريكية عن مسؤولين عسكريين لم تسمّهم قولهم إن تحقيقاً أولياً خلص إلى أن صاروخاً أمريكياً أصاب المدرسة. وقالت تلك التقارير إن ذلك حدث بسبب إحداثيات قديمة للهدف، قدمتها وكالة استخبارات أمريكية. ولم يعلق البنتاغون على هذه التقارير.

صور للأقمار الصناعية

قال ويس براينت، الذي عمل سابقاً مستشاراً كبيراً لشؤون الحرب الدقيقة والحد من الأضرار اللاحقة بالمدنيين في مركز التميز لحماية المدنيين التابع للبنتاغون، لبي بي سي إن التحقيق الأولي الذي يجريه الجيش عادة يهدف إلى التثبت من أمرين: ما إذا كان مدنيون قد تضرروا فعلاً، وما إذا كانت الولايات المتحدة تنفذ عمليات في المنطقة في ذلك الوقت، بما يجعلها سبباً محتملاً لما حدث.

وأضاف: "عندما يتحقق هذان الشرطان، عندها فقط يبدأ التحقيق رسمياً. ومن الناحية الإجرائية، يشير ذلك أكثر إلى أنهم يعرفون بالفعل أن الولايات المتحدة تسببت في ما حدث، وإلا لما كانوا يجرون هذا التحقيق، لكنهم ببساطة لا يريدون الإقرار بذلك أو التعليق عليه".

وقال براينت، الذي غادر البنتاغون العام الماضي، بعدما خُفّض عدد العاملين في وحدة الأضرار اللاحقة بالمدنيين بشكل كبير في عهد هيغسيث: "أن يمتنعوا حتى عن التعليق على الأمر بأي شكل، فهذا غير مقبول".

وقال مسؤول دفاعي سابق آخر إن بعض التحقيقات في الأضرار اللاحقة بالمدنيين تستغرق وقتاً طويلاً، تبعاً لمدى تعقيد الحالة. وأضاف المسؤول السابق، الذي طلب عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية الموضوع، لبي بي سي: "لكن هذه حالة يلفها قدر غير معتاد من الغموض، إذ أستطيع أن أستنتج من الظروف أنها ليست معقدة إلى هذا الحد".

وتابع المسؤول السابق: "عادة ما يتحمل البنتاغون المسؤولية فوراً أو بسرعة نسبية، ثم يحتاج على الأرجح إلى وقت أطول لتقديم كل التفاصيل، لذلك أرى أن ما يحدث هنا إشكالي".

الديمقراطيون يطالبون بإجابات

كتب ديمقراطيون في الكونغرس أكثر من مرة إلى وزير الدفاع بيت هيغسيث، وطرحوا سلسلة أسئلة بشأن ضربة ميناب، بدأوها بالسؤال عمّا إذا كانت الولايات المتحدة هي التي نفذتها.

واطلعت بي بي سي على رسالتين من ردود البنتاغون، أرسلتا نيابة عن هيغسيث، ولم تقدما أي إجابة عن أي من تلك الأسئلة. وقالت رسالة أرسلت إلى الديمقراطيين في 2 أبريل/نيسان إن ضابط تحقيق من خارج التسلسل القيادي للقيادة المركزية الأمريكية عيّن للنظر في القضية، وإن نتائج التحقيق ستشارك عند اكتماله.

وتواصلت بي بي سي مع 15 عضواً جمهورياً في الكونغرس، لسؤالهم عن تعامل الإدارة الأمريكية مع الضربة، لكنهم جميعاً رفضوا التعليق. وكان من بينهم أبرز الجمهوريين في اللجان المعنية بالأمن القومي في مجلسي الشيوخ والنواب.

وفي 10 مارس/آذار، أدان السيناتور الجمهوري جون كينيدي، عن ولاية لويزيانا، الضربة، قائلاً لصحيفة نيويورك تايمز: "أعتقد أننا ارتكبنا خطأً. كان خطأً فادحاً، فادحاً للغاية".

ومنذ بدء الحرب على إيران، قدم مسؤولون في البنتاغون عدة إحاطات مغلقة لأعضاء في الكونغرس بشأن العمليات العسكرية، وطرحت عليهم أسئلة عن ضربة ميناب.

وقال آدم سميث، كبير الديمقراطيين في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، لبي بي سي إن المسؤولين قالوا إنهم لا يستطيعون التعليق بسبب التحقيق الجاري، واصفاً هذا الرد بأنه "مثير للشفقة وغير كافٍ على الإطلاق". وأضاف أن الإحاطات لم تتضمن أي إقرار بالمسؤولية الأمريكية.

أشخاص متجمعون حول آثار غارة جوية في كابول
التعليق على الصورة، آثار غارة جوية بطائرة مسيرة بالقرب من مطار كابول في أفغانستان في أغسطس/ آب 2021

راجعت بي بي سي ثلاث حالات سابقة قتل فيها مدنيون، لمقارنتها برد إدارة ترامب على ضربة ميناب.

  • غارة بطائرة مسيرة قرب مطار كابول في أفغانستان، أغسطس/آب 2021: قال البنتاغون في البداية إنه استهدف مركبة معروفة بأنها تشكل تهديداً وشيكاً من تنظيم الدولة الإسلامية. لكن الغارة قتلت، في الواقع، عائلة من عشرة أفراد، بينهم سبعة أطفال، وهو ما اتضح خلال أيام من خلال تقارير إعلامية. وبعد أقل من ثلاثة أسابيع على القصف، أقر البنتاغون بمسؤوليته وقدم اعتذاره.
  • قصف مستشفى في قندوز بأفغانستان، أكتوبر/تشرين الأول 2015: أسفر الهجوم، الذي نفذته طائرة حربية أمريكية من طراز أي سي-130، عن مقتل ما لا يقل عن 42 شخصاً، بينهم 24 مريضاً و14 مسعفاً من منظمة أطباء بلا حدود. وبعد خمسة أيام، أدلى قائد القوات الأمريكية في أفغانستان بشهادة مفصلة أمام الكونغرس، وقال للمشرعين إن الهجوم كان "قراراً أمريكياً اتخذ ضمن التسلسل القيادي الأمريكي". وفي اليوم نفسه، أقر البيت الأبيض بالخطأ واعتذر.
  • الهجوم على ملجأ العامرية في بغداد، العراق، فبراير/شباط 1991: أسفر قصف نفذه سلاح الجو الأمريكي عن مقتل 408 مدنيين. وقالت الإدارة الأمريكية إن الملجأ كان مركز قيادة عسكرياً، وبالتالي هدفاً مشروعاً. لكن بي بي سي، إلى جانب مراسلين آخرين زاروا الموقع بعد وقت قصير من القصف، لم تجد دليلاً على ذلك. ومنذ البداية، أقرت الإدارة الأمريكية بسقوط قتلى مدنيين وبأن الضربة كانت أمريكية.

وفي كل واحدة من هذه الحالات، التي وقعت في عهد إدارات ديمقراطية وجمهورية، أدلى كبار المسؤولين العسكريين الأمريكيين بتصريحات علنية أكثر تفصيلاً بكثير مما قدم حتى الآن بشأن ضربة ميناب.

وقالت آني شيل، المسؤولة الأمريكية السابقة التي عملت على ملف الحد من الأضرار اللاحقة بالمدنيين في وزارة الخارجية، إن الحالات السابقة اتبعت نمطاً يبدأ بأن "تقول الولايات المتحدة إنها ليست وراء الهجوم"، ثم تكشف تقارير إعلامية ومنظمات غير حكومية لاحقاً أنه كان، في الواقع، هجوماً أمريكياً، "ما يضطر الولايات المتحدة إلى التراجع عن نفيها".

وأضافت شيل أن تعيين البنتاغون ضابط تحقيق من خارج القيادة المركزية الأمريكية في قضية ميناب "يمثل، نظرياً على الأقل، بداية جيدة على طريق الاستقلالية".

لكنها قالت لبي بي سي إنها تتوقع "بالتأكيد" إقراراً إضافياً بأي دور أمريكي أثناء سير التحقيق.

وقد زادت صعوبة التحقق من تفاصيل الحادث بسبب عدم سماح السلطات الإيرانية بوصول مستقل إلى الموقع. وقالت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن إيران، في 17 مارس/آذار، إنها طلبت الوصول إلى الموقع، لكنها لم تحصل على إذن بزيارته.

وقال تشارلز أوبلاها، المدير السابق لمكتب الأمن وحقوق الإنسان في وزارة الخارجية الأمريكية، إن غياب الشفافية من جانب واشنطن قد يعود إلى "تردد" داخل الإدارة في مخالفة موقف الرئيس، بعدما حمّل إيران مسؤولية الضربة، وهو ادعاء وصفه بلاها بأنه "بعيد الاحتمال وغير صحيح بتاتاً".

وأمضى أوبلاها 32 عاماً في السلك الدبلوماسي الأمريكي، ويعمل حالياً مستشاراً رفيعاً في منظمة "الديمقراطية الآن للعالم العربي" DAWN. وعزا الصمت النسبي في قضية ميناب إلى ما اعتبره رفض الإدارة "أي أخبار سلبية عن الحرب"، بعدما وصف بعضهم هذه الأخبار بأنها غير وطنية.