حرب واحدة ونصران: كيف تختلف روايتا واشنطن وطهران؟

صدر الصورة، AFP via Getty Images
- Author, أمير عظيمي
- Role, بي بي سي نيوز فارسي
- مدة القراءة: 6 دقائق
قد تكون الجولة الحالية من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران قد انتهت، أو على الأقل هذه هي الرسالة الصادرة من واشنطن.
فيوم الثلاثاء 5 مايو/أيار، وبعد أسابيع عدة من وقف إطلاق النار، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن عملية "الغضب الملحمي" انتهت فعلياً، رغم أن هذا الإعلان كاد يضيع داخل خطاب أوسع بكثير.
لذلك، يبدو السؤال بديهياً: من انتصر؟
تعتمد الإجابة على الجهة التي تروي القصة.
في إيران، تقدّم وسائل الإعلام الرسمية الحرب على أنها دليل على أن البلاد وقفت في وجه أقوى تحالف عسكري في العالم وهزمته.
وفي واشنطن، يعلن الرئيس دونالد ترامب وإدارته أيضاً النصر، وقالوا مراراً إنهم حققوا أهدافهم.
لكن خلف التصريحات العلنية، تزداد أهمية المفاوضات - مقارنة بالقتال نفسه - في تحديد النصر الفعلي.

صدر الصورة، Anna Moneymaker/Getty Images
وفقاً لتقارير من أكسيوس ورويترز ووسائل إعلام أمريكية أخرى، يعتقد البيت الأبيض أنه بات قريباً من الاتفاق على مذكرة تفاهم من 14 بنداً مع إيران. ومن شأن الوثيقة أن تضع إطاراً لمفاوضات أوسع بشأن البرنامج النووي الإيراني، ومضيق هرمز، والتوترات الإقليمية الأوسع.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إن البلاد تراجع المقترح، وستنقل ردها عبر وسطاء باكستانيين. لكن بعض كبار السياسيين الإيرانيين رفضوه علناً بالفعل.
وكتب متحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني على منصة "إكس"، رافضاً المقترح بوصفه "قائمة أمنيات أمريكية": "لن يحصل الأمريكيون على أي شيء في حرب يخسرونها".
ووفقاً للتفاصيل المنشورة حتى الآن، سيتعين على إيران تعليق أجزاء كبيرة من أنشطتها النووية لمدة 20 عاماً، وتسليم مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، والسماح بعمليات تفتيش دولية واسعة النطاق.
وتشير تقارير أيضاً إلى أن الاتفاق سيلزم إيران بضمان إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.
وفي المقابل، سترفع الولايات المتحدة العقوبات تدريجياً، وتفرج عن الأصول الإيرانية المجمّدة، وقد تسمح لإيران باستئناف تخصيب محدود لليورانيوم بعد انتهاء مدة الاتفاق.
لكن بالنسبة لكثيرين داخل إيران، تبدو هذه الشروط أقرب إلى الاستسلام منها إلى التسوية. وحجتهم بسيطة: فهم يعتقدون أن الولايات المتحدة أوقفت عملية "الغضب الملحمي" لأنها فشلت في تحقيق نتائج حاسمة، وأن عملية "مشروع الحرية" - التي أطلقتها الولايات المتحدة لإعادة فتح مضيق هرمز لكنها انتهت بشكل مفاجئ - كانت تنذر بجرّ دول الخليج العربية إلى عمق أكبر في الصراع.
ورغم أن إيران استهدفت قواعد أمريكية وبنية تحتية للطاقة في المنطقة، لم تدخل أي من هذه الدول الحرب رسمياً بشكل مباشر.

صدر الصورة، AFP via Getty Images
والأهم من ذلك أن الجمهورية الإسلامية صمدت، رغم مقتل زعيمها وعدد كبير من كبار القادة العسكريين والشخصيات الأمنية البارزة خلال الحرب. فقد واصل النظامان السياسي والعسكري في إيران العمل، وسرعان ما تمّ تعيين بدائل.
قبل الحرب، كان بعض المسؤولين والمحللين الغربيين يعتقدون أن حملة عسكرية سريعة، إلى جانب قتل كبار القادة والمسؤولين العسكريين الإيرانيين، قد تؤدي إلى موجة جديدة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة، وربما حتى إلى انهيار النظام.
لكن ذلك لم يحدث.
فالاحتجاجات التي كانت قد هزّت إيران في الأشهر التي سبقت الحرب اختفت إلى حد كبير من الشوارع. وشدّدت قوات الأمن قبضتها، وازدادت الاعتقالات، ونُفّذت بعض عمليات الإعدام. وفي الوقت نفسه، عرضت وسائل الإعلام الرسمية مراراً تجمعات مؤيدة للحكومة في مدن عدة.

صدر الصورة، Iranian Parliament Speaker Office/Handout/Anadolu via Getty Images
كتب رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين، محمد باقر قاليباف، مؤخراً: "نعلم جيداً أن استمرار الوضع الحالي لا يُحتمل بالنسبة للولايات المتحدة، في حين أننا لم نبدأ بعد".
وبالنسبة إلى القيادة الإيرانية، قد يكون مجرد الصمود كافياً لاعتباره انتصاراً، خصوصاً أن طهران تشير أيضاً إلى الأضرار التي ألحقتها بالقواعد الأمريكية والبنى التحتية المدنية في المنطقة، وفي إسرائيل.
ولهذا السبب، لا تبدو طهران يائسة لتجنب جولة أخرى من القتال. ويعتقد المسؤولون الإيرانيون أن البلاد تملك قدرة أكبر من خصومها على تحمّل الألم الاقتصادي والضغط العسكري والصراعات الطويلة.

صدر الصورة، Asghar Besharati/Getty Images
كذلك يعتقد المسؤولون الإيرانيون أن إغلاق مضيق هرمز أظهر حجم النفوذ الذي لا تزال إيران تملكه على الاقتصاد العالمي. فقد أثبت هذا الممر المائي أنه أكثر من مجرد نقطة اختناق في قطاع الطاقة. إذ أثرت الاضطرابات على الشحن، وإمدادات الغذاء، وتكاليف التأمين، والتجارة الدولية الأوسع.
وباتت إيران ترى الآن أن إعادة فتح هرمز ليست تنازلاً، بل ورقة تفاوضية.
وقد تكون لذلك تداعيات أوسع على المنطقة. فقد تخرج إيران من الصراع وهي تشعر بأنها أقوى، خصوصاً في تعاملها مع الدول المجاورة التي استضافت قواعد أمريكية أو دعمت بشكل غير مباشر العمليات الأمريكية والإسرائيلية خلال الحرب.

صدر الصورة، NurPhoto via Getty Images
هذا لا يعني أن إيران حققت كل ما أرادته. فقد تكبّدت البلاد أضراراً كبيرة، وخسرت شخصيات عسكرية بارزة وبنية تحتية أساسية، ولا تزال تحت ضغط اقتصادي شديد قد يؤدي، على نحو محتمل، إلى إعادة إشعال الاحتجاجات.
كما أظهرت الولايات المتحدة وإسرائيل قدرتهما على شن ضربات في عمق إيران، باستخدام أسلحة متطورة وقدرات استخباراتية.
لكن الحروب لا تُحسم دائماً في ساحة المعركة وحدها.
قد يحكم على هذا الصراع في نهاية المطاف ليس من خلال الحرب نفسها، بل من خلال نتائج المفاوضات الرامية إلى إنهائها. فإذا أجبرت واشنطن إيران على تقديم تنازلات نووية كبيرة، ستعلن الولايات المتحدة النجاح. أما إذا حافظت طهران على نفوذها الإقليمي وتجنبت وقفاً دائماً لبرنامجها النووي، فستعلن إيران النصر بدلاً من ذلك.
في الوقت الراهن، يقول كل طرف لشعبه إنه انتصر. وقد لا تتضح الإجابة الحقيقية إلا بعد انتهاء المفاوضات، إذا جلس الطرفان إلى طاولة التفاوض وبقيا فيها حتى النهاية.































