حين يصبح الصمت ثمناً للحياة: حكايات عائلات تبحث عن أحبائها المختفين قسراً

صورة تعبيرية لرجل مخطوف يرتدي بدلة رسمية، وخاطف ملثم بقناع أسود، في مكان مهجور ومعزول.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، صورة تعبيرية
    • Author, سوزانا قسوس وليلى بشار الكلوب
    • Role, بي بي سي نيوز عربي
  • Published
  • مدة القراءة: 7 دقائق

"قالوا لنا: إذا تحدثنا إلى وسائل الإعلام، فسيعيدون أحباءنا إلينا جثثاً هامدة".

كانت تلك التهديدات كفيلة بإسكات الكثير من العائلات في المنطقة العربية، التي وجدت نفسها أمام معضلة قاسية: هل تتحدّث، أملاً في إنقاذ من اختفى قسراً أو اختُطِف، أم تلتزم الصمت خوفاً من أن يكون الكلام سبباً في فقدانه إلى الأبد؟

يُعدّ الاختفاء القسري من أكثر الانتهاكات الحقوقية تعقيداً في الدول العربية، إذ حُرِم آلاف الأشخاص من معرفة مصير ذويهم بعد احتجازهم أو اختطافهم وإخفاء أماكن وجودهم، فيما لا تزال أعداد كبيرة من الحالات بلا إجابات. وتبرز سوريا والعراق واليمن وليبيا ولبنان ومصر من بين الدول التي شهدت حالات موثّقة أو واسعة من الاختفاء، وإن كانت البيانات المتاحة لا تسمح بإجراء مقارنة دقيقة بين الدول بسبب تفاوت التوثيق والإبلاغ.

وتقول منظمة العفو الدولية إن عائلات المفقودين في العراق وسوريا ولبنان واليمن أمضت مجتمعةً "أكثر من مليون عام" في انتظار معرفة مصير أحبائها.

في هذا التقرير، نروي قصص أشخاص فقدوا أحباءهم في وقائع اختفاء قسري في دول عربية، تحدثنا إليهم عن ذكرياتهم مع من فقدوا، كما طلبنا منهم إرسال صورة لشيء يحتفظون به ويذكّرهم بفقيدهم.

"خمسون عاماً من الانتظار"

لا تزال لانا (اسم مستعار)، تنتظر أي خبر عن إخوتها وأمها الذين خطفهم مُسلّحون من مستشفى بحنس في قضاء المتن، محافظة جبل لبنان، في مارس/آذار عام 1976.

تقول لانا، إنّ شقيقها الأكبر، الذي كان يبلغ من العمر 24 عاماً آنذاك، أُصيب إصابة بالغة بقصف على منزل العائلة في برمّانا، ونُقل فوراً إلى المستشفى المذكور، حيث ذهب شقيقاها الاثنان ووالدتها لزيارة الابن الأكبر المُصاب.

"دخل المسلّحون، نزعوا المصل والأُكسجين عن أخي المُصاب؛ خطفوه وخطفوا أمي، وخطفوا أخويَّ الآخرَينِ أيضاً".

وتضيف لانا أنّ المخطوفين من عائلتها لم يمارسوا أي نشاط سياسي، ولم تصلهم أي تهديدات أو مضايقات قبل خطفهم، إلاّ أنها تقول إنها تعرف الجهة التي خطفتهم، وعندما حاولت العائلة التواصل مع المسؤولين في تلك الجهة، اختُطفت عمّتها وابنة عمها.

خمسون عاماً، ولا تزال لانا، تتابع مع لجنة أهالي المخطوفين، حالها حال الآلاف في لبنان، علّها تصل إلى أي خبر أو معلومة عن عائلتها.

يُقدَّر أن نحو 17,400 شخص اختفوا أو فُقدوا في لبنان خلال الحرب الأهلية بين 1975 و1990، ولا يزال مصير كثير منهم مجهولاً بعد أكثر من ثلاثة عقود على انتهاء الحرب.

"أكثر من 800 يوم من الغموض"

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

يقول أحمد المضواحي إن والده، الدكتور علي المضواحي، اختُطف في يونيو/حزيران 2024 من مقر عمله في اليمن، بعد مداهمته ومصادرة الهواتف، ثم انقطع أثره لأكثر من ستة أشهر قبل أن تتمكن الأسرة من التواصل معه.

ومنذ ذلك الحين، عاشت العائلة في غموض تام، لا تعرف مكانه ولا التهم الموجهة إليه. ويقول أحمد: "نحن لا نعلم أين هو، وهذا أمر صعب جداً". ويضيف أن الجهة التي احتجزته تابعة لمخابرات جماعة أنصار الله الحوثية، وفق قوله، الأمر الذي جعل المطالبة بحقوقه أو بضمانات المحاكمة العادلة أمراً بالغ الصعوبة.

بعد اتصالات متقطعة، علمت الأسرة أنه تعرّض للتحقيق والضغط، واضطر، بحسب أحمد، إلى "الاعتراف تحت التعذيب".

وبعد أكثر من 800 يوم، أُحيل والده إلى محكمة جزائية مغلقة، فيما لا تزال تفاصيل قضيته وإجراءات محاكمته غير واضحة. ويعتقد أحمد أن موقف والده من حملات التطعيم ربما كان أحد أسباب احتجازه، إذ كان يشارك لسنوات في تطعيم الأطفال، في حين تتبنى جماعة الحوثيين موقفاً معارضاً للقاحات، بحسب قوله.

ويقول إن والده كان قادراً على مغادرة اليمن، لكنه اختار العودة لأنه "يحب وطنه بشدة" وكرّس أكثر من نصف عمره لخدمته. ويستذكر عبارته: "أنا مع الحق ولو كان ضدي".

أما بالنسبة للعائلة، فقد تحوّل اختفاء الأب إلى سنوات من الخوف والانتظار. يقول أحمد إن شقيقيه، البالغ أحدهما 15 عاماً والآخر 14 عاماً، لم يريا والدهما منذ أكثر من عامين، مضيفاً: "تعب نفسي شديد لأننا خائفون عليه".

وبحسب منظمة مواطنة لحقوق الإنسان، وُثّقت في اليمن 2,120 ضحية للاختفاء القسري في 1,592 واقعة، بين سبتمبر/أيلول 2014 ويوليو/تموز 2025، من قِبل أطراف متعددة في النزاع. وتشير المنظمة إلى أن مئات الضحايا لا يزالون مجهولي المصير.

قميص يعود لوالد أحمد

صدر الصورة، أُرسلت لـبي بي سي

التعليق على الصورة، قميص يعود لوالد أحمد؛ "عندما كان يزورنا، كانت أمي تطلب منه أن يترك قطعة من ملابسه ليرتديها في زيارته المقبلة. وكان يحب هذا القميص كثيراً"

"خرج لإحضار الطعام ولم يعد"

عامان تقريباً مرّا على اختفاء كمال الدين مدثر شايب حمزة، في السودان، ولا تزال عائلته تعيش على أمل أن تعرف أين هو، أو ما الذي حلّ به.

يروي شقيقه أن كمال اختُطف من حي البستان في أم درمان، بعدما خرج من المنزل برفقة أحد جيرانه لإحضار الطعام. وقال إن شهود عيان رأوا سيارة "كروزر" تتوقف بالقرب من المنزل، قبل أن يُقتاد كمال ومن كان برفقته إلى السيارة التي اتجهت بهما غرباً.

وبعد نحو شهر ونصف إلى شهرين، عاد الشاب الذي كان برفقة كمال إلى أهله، لكن كمال لم يعد. ومنذ ذلك الحين، لم تحصل عائلته على أي معلومة مؤكدة عن مكانه أو مصيره.

يقول شقيقه إن الأسرة حاولت مراراً الوصول إلى أي خيط يقود إلى كمال، وتواصلت مع أشخاص قالت إن لهم صلة بالجهة التي يُعتقد أنها تقف وراء اختطافه. لكن هذه المحاولات تحولت، بحسب روايته، إلى عمليات ابتزاز، إذ طُلبت من الأسرة مبالغ مالية كبيرة مقابل معلومات أو تسجيل صوتي عن كمال، من دون أن تحصل في النهاية على أي إجابة.

ويقول شقيقه إن الأسرة كانت تعرف أن كمال تعرّض للتعذيب، وإن أشخاصاً كانت لديهم معلومات عنه رفضوا الكشف عمّا يعرفونه. ومع مرور الوقت، بدأت أسوأ الاحتمالات تلاحق العائلة، من دون أن يكون لديها دليل حاسم على ما حدث له.

"90 في المئة احتمال يكونوا قتلوه، هو مش موجود بأي معتقل، ما معروف وينه"، يقول شقيقه، في تعبير عن حجم اليأس الذي تعيشه الأسرة بعد عامين من الانتظار.

ولا يقتصر ألم العائلة على اختفاء كمال. فقد تعرّض شقيقه نفسه للاختطاف قبل ذلك، واقتيد إلى معتقل في منطقة الـ18، حيث يقول إنه تعرّض للتعذيب، قبل أن يخرج من المعتقل.

منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، تصاعدت حالات الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي بحق المدنيين. ووُثّقت 2,309 حالات بين ديسمبر/كانون الأول 2023 ونوفمبر/تشرين الثاني 2024، بينما قد يتجاوز العدد الحقيقي 50 ألف شخص، بينهم أطفال ونساء ونشطاء وعاملون في المجال الإنساني، وفق خبراء الأمم المتحدة.

كأس بيضاء للقهوة، وُضعت على طاولة خشبية صغيرة

صدر الصورة، أُرسلت لـبي بي سي

التعليق على الصورة، "كان أخي يستخدم هذه لشرب القهوة"

"وفاة بلا جثة"

باتت تُعرف قرية البوعكاش في محافظة الأنبار العراقية، بأنها "قرية بلا رجال" بعد أن غُيّب ما يقدر بـ 700 رجل منها في يوم واحد، أثناء تحرير المنطقة من تنظيم الدولة الإسلامية عام 2016.

تصف جيهان سعد، التي غُيّب زوجها وشقيقها في ذلك اليوم، بأنه كان "مسلسلاً من الرعب"، حيث طُلب منهم الخروج من المنازل ليلاً، وعُزل الرجال عن النساء للتدقيق الأمني، ومنذ ذلك الحين، لم يُعرف مصير أحد منهم.

"ناس تقول قتّلوهم، ناس تقول أشعلوهم وفجروهم... كل واحد يقول شكل".

حتّى مَن عاد مِن هؤلاء الرجال في ذلك اليوم، فقد عاد بآثار تعذيب واضحة، تقول جيهان، دون أن يملكوا أي معلومة عن الرجال الآخرين. وتضيف الأم المعيلة لخمسة أبناء، إنها لم تترك جهة أمنية ولا حكومية، حالها حال معظم نساء القرية، دون أن تتجه إليها لتحصل على أي معلومة يمكن أن تساعدها في العثور على زوجها أو شقيقها.

"ما نعرف إذا ميتين أو طيّبين.. كل سنة يفتحون مقبرة جماعية بالأنبار، يقولون هذول جماعة الصقلاوية، بعدين ينفون الخبر، يعني حتى الناس دوّخوها، ويفتحون عليها جروح".

وبعد أربع سنوات، أي عام 2020، اضطرت جيهان للاستسلام بإصدار شهادة وفاة لزوجها، حتى تحصل على إعانة حكومية تُعينها على إعالة أبنائها، الذين كانت أكبرهم بعمر 12 عاماً حين فُقد والدُها.

قدّرت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري عدد الأشخاص الذين اختفوا في العراق، بما في ذلك حالات الاختفاء القسري، بين 250 ألفاً ومليون شخص على مدار عقود من النزاعات والعنف السياسي. وأكدت اللجنة أن الحجم الحقيقي لا يزال غير قابل للتحديد بدقة.

مسبحة من مكة المكرمة اشتراها زوجها قبل أن يختفي

صدر الصورة، أُرسلت لـبي بي سي

التعليق على الصورة، "هذه مسبحة زوجي، اشتراها من مكة عندما اعتمر، ولذلك حافظنا عليها واحتفظنا بها"

سنوات من الانتظار والابتزاز

تروي ثناء اللحام أن زوجها، مفيد حروب، كان يساعد أهالي داريا، قرب العاصمة السورية دمشق، ويوفر للنازحين الطعام والشراب والملابس وغيرها من الاحتياجات، قبل أن تتحول هذه المساعدات، بحسب روايتها، إلى سبب لاتهامه بالإرهاب واختفائه.

في عامَيْ 2012 و2013، بدأت تصل العائلة أخبار عن وفاة مفيد، لكنها لم تتمكن من التأكد من مصيره. ومع غياب أي معلومات موثوقة، بدأت ثناء رحلة طويلة للبحث عنه، تعرضت خلالها للتهديد والابتزاز، واستغل أشخاص أملها في معرفة مصيره، فدفعت لهم أموالاً طائلة بعد أن باعت الأسرة منزلها وسيارتها وذهباً، قبل أن تكتشف أنها تعرضت للاحتيال، وتقول إن شخصاً واحداً فقط استنزف منها نحو سبعة ملايين ونصف مليون ليرة سورية (نحو 61 ألف دولار).

"تعرضتُ كثيراً للابتزاز والتهديد، وكان أولادي وقتها صغاراً. قضيت سنوات صعبة، الله وحده يعلم بها".

تضيف: "بصراحة، تدمرت حياتي، وتدمرت حياة أولادي. كلما أحاول أن أوقف على رجلي، يحدث لي شيء يرجعني إلى الصفر".

من هوايات مفيد صنعُ بيوتٍ من الأكريليك وأعواد الثقاب

صدر الصورة، أُرسلت لـبي بي سي

التعليق على الصورة، من هوايات مفيد صنعُ بيوتٍ من الأكريليك وأعواد الثقاب. "كان مفيد يتسلى بمثل هذه القصص"

وفي إحدى المرات، أخبرها شخص بأن زوجها موجود في سجن عدرا المركزي. ورغم خضوعها لعملية جراحية قبل ثلاثة أيام فقط، ذهبت إلى السجن برفقة أطفالها أملاً في العثور عليه، لكنها لم تجد اسمه أو أي معلومات عنه، فعادت منهارة برفقة أطفالها.

وتقول إن الأشخاص الذين استغلوا خوفها وأملها واصلوا إقناعها بأن زوجها لا يزال حياً، وطلبوا منها الأموال لنحو عام: "ضل عم يلعب سنة فينا، هو وعم يأخذ مصاري وعم يسحب مصاري".

وبعد سنوات طويلة من اختفاء مفيد، لا تزال ثناء وأطفالها يعيشون من دون إجابة عن مصيره، عالقين بين أخبار عن وفاته وأمل في أن يكون لا يزال حياً.

بلغ عدد من تعرضوا للاختفاء القسري في سوريا 177 ألفاً و57 شخصاً منذ مارس/آذار 2011 وحتى أغسطس/آب 2025، بينهم آلاف الأطفال والنساء، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.