أبيي السودانية: "ليست الانتخابات ولا الاستفتاء أمراً مهماً.. المهم حياة آمنة ومستقرة"

صدر الصورة، United Nations
- Author, محمد محمد عثمان
- Role, مراسل بي بي سي نيوز عربي
- Reporting from, أم درمان
- Published
- مدة القراءة: 7 دقائق
عادت منطقة أبيي، المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، إلى واجهة الأحداث مجدداً، بعدما رفضت الحكومة السودانية إدراج جوبا للمنطقة ضمن الدوائر الانتخابية الخاصة بالانتخابات المقرر إجراؤها في ديسمبر/كانون الأول المقبل في جنوب السودان.
وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صادر عنها، إن إدراج المنطقة ضمن الدوائر الانتخابية يمثل خطوة أحادية تتعارض مع الاتفاقيات والبروتوكولات الموقّعة بين البلدين، والتي تنظم الوضع القانوني والإداري الخاص بأبيي.
فما أهمية هذه المنطقة؟ وكيف تبدو الأوضاع فيها حالياً؟ وكيف تأثرت بالحرب المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أكثر من ثلاث سنوات؟
منطقة غنية بالنفط

صدر الصورة، United Nations
تبلغ مساحة أبيي نحو 10,546 كيلومتراً مربعاً، وتضم أراضي زراعية وصحراوية، إلى جانب حقول نفط كانت تنتج نحو نحو 350 ألف برميل يومياً وهو ما يمثل رُبع إجمالي النفط السوداني قبل انفصال جنوب السودان. كما يمر عبرها خط الأنابيب الرئيسي الذي ينقل نفط جنوب السودان إلى ميناء التصدير في مدينة بورتسودان على ساحل البحر الأحمر.
وقد ظلت منطقة أبيي محل نزاع مستمر بين الحكومات السودانية والفصائل المتمردة في جنوب السودان بسبب موقعها الجغرافي، إذ اعتبرتها الحكومات السودانية جزءاً من الشمال، بينما تقول الفصائل الجنوبية إنها تتبع الجنوب.
وفي عام 2005، وبعد توقيع اتفاقية السلام الشامل، توصّل الشمال والجنوب إلى اتفاق تاريخي تضمّن بروتوكولاً خاصاً بأبيي، نص في جوهره على إجراء استفتاء شعبي لسكان المنطقة لتقرير مصيرها، إما بالبقاء ضمن السودان أو الانضمام إلى جنوب السودان، غير أن الخلاف احتدم حول حدود المنطقة التي سيجرى فيها الاستفتاء، فأُحيلَ الأمر إلى محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي التي أصدرت حكماً قبِل به الطرفان. لكن خلافاً آخر برز لاحقاً بشأن من يحق لهم المشاركة في الاستفتاء.
جغرافياً، تقع منطقة أبيي على الشريط الحدودي بين السودان وجنوب السودان. ويحدها شمالاً الجزء الجنوبي الغربي من ولاية غرب كردفان السودانية، التي تقع على بعد نحو 50 كيلومتراً من بحر العرب. وتحدها غرباً ولاية شمال بحر الغزال، وشرقاً ولاية الوحدة في جنوب السودان.
"ليست الانتخابات ولا الاستفتاء أمراً مهماً.. المهم حياة آمنة ومستقرة"

صدر الصورة، United Nations
تقطن في منطقة أبيي قبيلتا المسيرية والرزيقات، وهما من أصول عربية من السودان تمتهنان حرفة الرعي والزراعة. أما جنوباً فتعيش قبائل دينكا نغوك في جنوب السودان، ذات الأغلبية المنتمية إلى أصول أفريقية، وهي أيضاً تمتهن رعي الأبقار.
قبل أكثر من عشر سنوات، زرتُ المنطقة في إطار تغطية صحفية لمؤتمر للتعايش السلمي بين مكونات أبيي من الدينكا والمسيرية، إلى جانب بقية المكونات التي تمثل أقليات في المنطقة.
وكانت أبرز ملاحظاتي آنذاك أن التعايش بين المكونات المحلية كان قائماً ولم يكن مصدر خلاف بينها، بل انحصرت اهتماماتهم في كيفية تنمية المنطقة وتطويرها، وتحويلها إلى مركز جاذب للتجارة، والاستفادة من الحصة المقررة من عائدات النفط، والتي حددتها اتفاقية السلام الشامل بنسبة اثنين في المئة.
كان هناك مسجد كبير يؤمه المصلون، سواء كانوا من المسيرية الذين يدين معظمهم بالإسلام، أو من أبناء الدينكا. وكان لافتاً أن إمام المسجد ينتمي إلى الدينكا، وكان يتلو القرآن بطلاقة، قبل أن أعرف لاحقاً أنه أحد خريجي جامعة الأزهر في مصر.
كما كان المسيحيون يتوجهون إلى الكنيسة الموجودة داخل السوق لأداء شعائرهم الدينية.

صدر الصورة، Getty Images
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
وكانت الحياة تتركز بصورة رئيسية في سوق المدينة، الذي يمثل قلبها النابض، في ظل حركة تجارية نشطة تصلها عبر الشاحنات القادمة من السودان. كما كان السوق يضم مركزاً صحياً متواضعاً ومدرسة ابتدائية، وكانت معظم الخدمات الأساسية تتمركز داخله.
أما اليوم، وبعد مرور تلك السنوات، فتبدو الأوضاع أسوأ بكثير، بحسب ما أخبرني عبد الله ود إبراهيم، أحد كبار التجار في السوق.
قال لي، بعد أن تواصلتُ معه عبر تطبيق "واتساب" في ظل ضعف شبكات الاتصالات التقليدية، إن الأوضاع باتت سيئة في مختلف الجوانب، سواء الأمنية أو المعيشية، وحتى على مستوى التعايش بين المجتمعات.
وقال في رسالة صوتية: "أبيي تأثرتْ بشكل كبير بالحرب في السودان. الأوضاع الأمنية صعبة جداً، وهناك حوادث قتل ونهب يتعرض لها السكان من أطراف متعددة. كما توجد نقاط تفتيش كثيرة تقيمها قوات عسكرية مختلفة لتحصيل الأموال من الشاحنات، بل ويُفرض أيضاً على أصحاب المواشي دفع جبايات ورسوم عديدة".
وعندما سألته عن دور قوات الأمم المتحدة في حماية المدنيين، أجاب قائلاً: "لا تؤدي دوراً كبيراً. فهي تصل عادة بعد وقوع الجريمة، سواء كانت قتلاً أو نهباً، ولا نعرف في الغالب ما الذي يحدث للضحايا. توجد دوريات لهذه القوات، لكنها قليلة جداً، ولا تغادر نطاق السوق، بينما تقع معظم الجرائم خارجه".
أما غابرييل مجوك، الذي يدير مطعماً في أبيي منذ سنوات، فيرى أن الأولوية ليست للانتخابات أو الاستفتاء، وإنما لاستعادة الأمن والاستقرار وتنمية المنطقة.
وقال، في رسالة صوتية بعث بها إليّ عبر تطبيق "واتساب"، إنه لا يهمه ما إذا كانت أبيي ستتبع الشمال أو الجنوب، بقدر ما يهمه أن تصبح مكاناً صالحاً للحياة.
وأضاف: "علمنا أنه ستقام انتخابات في أبيي بعد أشهر، لكن ليس المهم إجراء الانتخابات، وإنما أن تتحسن الأحوال. أبيي دُمرت كثيراً خلال السنوات الماضية، وارتفعت أسعار السلع بشكل كبير، وبدأنا نفقد مصادر دخلنا، وأخشى أن أُضطر إلى إغلاق مطعمي إلى الأبد. ما أريده ليس انتخابات أو استفتاء، وإنما حياة مستقرة وكريمة".
تاريخ طويل من النزاعات

صدر الصورة، United Nations
لمنطقة أبيي تاريخ طويل من النزاعات، اتخذ بعضها طابعاً دموياً، كما أنها تأثرت بشكل كبير بالعلاقات المتوترة بين شمال السودان وجنوبه قبل الانفصال، ثم استمر التوتر حتى بعد استقلال جنوب السودان عام 2011.
وازدادت الأوضاع سوءاً مع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023.
وما فاقم الأوضاع الأمنية والمعيشية هو القتال العنيف الذي وقع بين الجيش وقوات الدعم السريع في ولاية غرب كردفان المجاورة للمنطقة، وما تلاه من انسحاب الجيش وسيطرة قوات الدعم السريع على المناطق الحدودية.
ويقول سكان محليون إن عناصر قوات الدعم السريع الذين ينحدر معظمهم من قبيلتي المسيرية والرزيقات، أقاموا نقاط تفتيش كثيرة وعشوائية وأصبحوا يطالبون السكان وأصحاب الشاحنات بمبالغ مالية كبيرة نظير السماح لهم بالدخول إلى منطقة أبيي.
كما أن قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة في أبيي (يونيسفا - UNISFA) أكدت أنها رصدت وجود قوات من جنوب السودان داخل المنطقة المتنازع عليها، الأمر الذي أثار مخاوف من تصاعد التوترات.
ودعت الأمم المتحدة، في مايو/أيار 2024، حكومة جنوب السودان إلى سحب قواتها من المنطقة بأسرع وقت، محذرة من أن استمرار وجودها قد يؤدي إلى تأجيج الصراع.
محاولة سد الفراغ
تكافح قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة في أبيي (يونيسفا) من أجل احتواء الأوضاع الأمنية، ويعمل ضمنها حالياً نحو 3500 فرد من جنسيات مختلفة.
وقال قائد القوة، اللواء غانيش كومار شريستا، إنهم يعملون في منطقة شديدة التقلب وفي ظروف بالغة الصعوبة.
وأضاف، في حديث لموقع الأمم المتحدة، أنهم يحاولون سد الفراغ الناجم عن الحرب في السودان، إلى جانب هشاشة الوضع الأمني في جنوب السودان.
وقال: "نكثف دورياتنا، وننفذ عمليات مراقبة جوية، ونتواصل مع المجتمعات المحلية بانتظام لثنيها عن القتال. كما نتواصل مع حكومتَي السودان وجنوب السودان للتأكيد على أهمية التعايش السلمي في منطقة أبيي. ونحاول أيضاً، بدعم من الوكالات الأممية والشركاء الإنسانيين، توفير الاحتياجات الأساسية للسكان".
ومع استمرار القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في مناطق غرب كردفان، لجأت أعداد كبيرة من العائلات إلى أبيي هرباً من المعارك.
ورغم عدم وجود إحصاءات دقيقة بشأن أعدادهم، تقول منظمات الأمم المتحدة إنهم يعيشون في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، في ظل انعدام المأوى، وسوء التغذية، ونقص الأدوية، وتفشي الأمراض المعدية.
ويقول قائد الـ"يونيسفا" إن البعثة تعمل في بيئة معقدة للغاية، إذ لا توجد في أبيي حكومة أو مؤسسات حكومية فاعلة، ولذلك "نعمل على ملء هذا الفراغ، ومساعدة السكان على مواصلة حياتهم وكسب قوت يومهم، إلى حين التوصل إلى تسوية نهائية تحدد الوضع القانوني للمنطقة".

































