You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
فرت بسيارة أجرة قبل أن يُفرض عليها الزواج في بلد يمنع تعليم الفتيات
- Author, يوغيتا ليمايا
- Role, مراسلئة شؤون جنوب آسيا وأفغانستان - كابل
- Published
- مدة القراءة: 7 دقائق
قطعت علياء – وهو اسم مستعار نستخدمه حفاظاً على سلامتها – مئات الأميال من قريتها إلى العاصمة الأفغانية كابول، برفقة ابنة عمها، هرباً من الزواج.
وكانت رحلتهما في سيارة أجرة العام الماضي، وهما ترتديان ملابس تغطي جسديهما بالكامل من الرأس إلى أخمص القدمين، بحيث لا يظهر سوى العينين، التزاماً بالقواعد السارية؛ وهي خطوة استثنائية محفوفة بالمخاطر في أفغانستان.
ففي أي لحظة، كان من الممكن أن تعترضهما نقاط تفتيش تابعة لحركة طالبان، حيث يفرض المفتشون قيوداً تمنع النساء من السفر لمسافات طويلة دون مرافقة قريب من الذكور.
لكن علياء، البالغة من العمر 19 عاماً، وابنة عمها، لم يتم توقيفهما عند أي من نقاط التفتيش، وتمكنتا من الوصول إلى العاصمة.
وقالت: "اختلقت عذراً لعائلتي، وقلت إنني ذاهبة للقاء أصدقائي وزميلاتي السابقات في الدراسة، لكن هذا غير صحيح؛ فهن لسن هنا. السبب الحقيقي هو أنه لو بقيت في دايكندي، فسأُجبَر على الزواج".
وبدلاً من ذلك، وصلَت إلى كابول وهي تحمل خطة: الالتحاق بدورة لتعلّم اللغة الإنجليزية.
وتستغرق هذه الدورات التعليمية الخاصة فترة قصيرة، كما أنها مكثفة، وهي متاحة فقط لمن يستطيع تحمّل تكلفتها، وتُعد، إلى جانب المدارس الدينية التي تركز على التعليم الشرعي، الخيار الوحيد للفتيات لمواصلة التعلم بعد المرحلة الابتدائية في أفغانستان. ومع ذلك، فهي لا تُعتبر بأي حال بديلاً عن التعليم النظامي.
وقد مضى نحو خمس سنوات منذ أن منعت طالبان الفتيات فوق سن الثانية عشرة من الذهاب إلى المدرسة، مع تقديم مبررات لاستمرار هذا الحظر.
وخلال هذه السنوات، نشأت فتيات مثل علياء من دون الحصول على التعليم الذي يطمحن إليه أو يحتجنه. وهي سنوات أُغلقت فيها فعلياً كل السبل أمام أي مسار مهني للفتيات الأفغانيات، ما أدى إلى تقلّص الخيارات المتاحة أمامهن، حتى غدا ملايين منهن لا يجدن سوى خيار واحد: الزواج.
واللافت في قصة علياء ليس شجاعتها، بل انتماؤها إلى عائلة تمتلك الموارد المالية اللازمة للاستفادة من الفرص التعليمية المحدودة المتاحة أمام الشابات في أفغانستان؛ وهو أمر نادر في بلد لا يستطيع فيه ثلاثة من كل أربعة أشخاص تلبية احتياجاتهم الأساسية، وفقاً للأمم المتحدة.
ولا يعني ذلك أن أسرة علياء ترفض مواصلتها للتعليم - فقد وافقوا على رغبتها في البقاء في كابول، وما زالوا يمولون دراستها للغة الإنجليزية حتى الآن - لكن حتى هم يخضعون للواقع الذي يفرضه عليهم المجتمع في أفغانستان.
تقول علياء: "قبل الحظر، كان والداي يشجعانني بشدة على الذهاب إلى المدرسة. وكانا يقولان لي إن بإمكاني بالتأكيد تحقيق حلمي بأن أصبح قائدة طائرة".
وأضافت: "لكنهم الآن يقولان إن أفضل خيار لي هو الزواج، لأنني لا أستطيع الذهاب إلى المدرسة أو الجامعة، ولا يمكنني حتى العمل".
تلقت علياء عروض زواج، وهي تخشى أن تضطر إلى قبول أحدها، وتخشى أيضاً ألّا تمنحها العائلة التي ستتزوج منها الحرية التي يمنحها لها والداها. وتقول: "بعض العائلات قد تكون متشددة جداً. من الممكن أن يطلبوا مني التخلي عن أحلامي. لا أشعر إطلاقاً بالتفاؤل حيال ذلك".
لكن عزيمتها صلبة كالفولاذ. وتضيف: "إذا لم تُجبرني عائلتي على الزواج، فسأنتظر. سأقاوم ذلك حتى آخر نَفَس".
غير أن المقاومة صعبة.
وفي منزل صغير متواضع غربي كابول، التقينا شما.
تقول شما: "لو لم تستولِ طالبان على السلطة، لكنت الآن على وشك إنهاء دراستي. ربما كنت على بعد خطوات قليلة من تحقيق حلمي بأن أصبح طبيبة. هذا ما كنت أريده".
بدلاً من ذلك، قبل أربع سنوات، وعندما كانت في الثامنة عشرة من عمرها، دفعتها والدتها إلى الزواج. وهي الآن أم لطفلة رضيعة وطفلة صغيرة – كلتاهما فتاتان.
وقد غيّرنا اسمها وأسماء أفراد عائلتها حفاظاً على سلامتهم.
ووصفت لنا كاميلا – والدة شما التي عملت في التنظيف لتوفير تكاليف تعليم بناتها بعد وفاة زوجها قبل ست سنوات – شعورها بالعجز حيال هذا الأمر، مؤكدة أنه لم يكن أمامها خيار. فقد كانت تخشى أن تكون نظرة الناس إلى ابنتها – وهي شابة في سن الزواج – سلبية أو أن تواجه صعوبات إذا بقيت دون زواج.
وتقول كاميلا: "كنت أخشى أن يسألوني [عناصر طالبان] عن سبب عدم تزويجها".
وتضيف: "كنت أريد لها أن تتعلم، وأن تعمل وتشارك في بناء المجتمع. أنا أمية، لكنني كنت أريد لبناتي أن يتعلمن. وقد كان لديها [شما] الكثير من الأحلام، لكنها لم تحققها".
وكان لحظر التعليم الذي فرضته حكومة طالبان أثر كبير على حياة عدد لا يُحصى من النساء والفتيات. ووفقاً للأمم المتحدة، إذا استمر هذا الحظر حتى عام 2030، فإن "أكثر من مليوني فتاة سيُحرمن من التعليم بعد المرحلة الابتدائية في بلد يعاني بالفعل من أحد أدنى معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة بين النساء على مستوى العالم".
وتقول شما: "الزواج ليس الحلم الوحيد الذي تسعى إليه المرأة. فهي بحاجة أولاً إلى الاعتماد على نفسها، وأن تكون مستقلة، وبعد ذلك يمكنها الزواج وتكوين أسرة. لكنني دخلت هذه الحياة الجديدة من دون أي من ذلك. وما زالت أحلامي لم تتحقق".
وقبل استيلاء طالبان على السلطة، رفضت شما العديد من عروض الزواج.
وتقول: "رفضتها لأن تعليمي كان أكثر أهمية بالنسبة لي من أي شيء آخر. ما كنت أريده لنفسي لم يكن ما يريدونه [من تقدموا للزواج منها] لي".
أما الآن، فقد أخبرتنا أنها تعيش في توتر مستمر، وتتحرك مشاعرها حتى عند مشاهدة الأفلام التي تُصوَّر فيها شخصيات نسائية يعملن أو يدرسن.
وتتلقى شما معاملة جيدة من زوجها، لكن حزنها لعدم حصولها على فرصة لتحقيق إمكاناتها لا يفارقها. وتقول: "هذا صعب جداً بالنسبة لي. أشعر وكأنني محاصرة في منزلي. أنا أعيش فقط من أجل أطفالي".
وتخشى شقيقتها نورا، 18 سنة، الآن أن تواجه هي أيضاً المصير نفسه.
وتقول نورا، التي كثيراً ما تحلم بالعودة إلى المدرسة: "أنا صغيرة جداً على الزواج. أريد أن أواصل تعليمي. الأمر أشبه بالسجن، وأخشى الخروج بسبب الحكومة، وفي المنزل تقول لي أمي إنه يجب أن أتزوج".
ومنذ عام 2021، تردّ حكومة طالبان على السؤال عن موعد إعادة فتح المدارس أمام الفتيات بمبررات مختلفة، وهو ما تحوّل في الوقت الراهن إلى مراوغة وصمت مقابل كل محاولة لإثارة هذه القضية.
وفي سبتمبر/أيلول 2021، وخلال أول مقابلة نجريها مع متحدث باسم طالبان بعد استيلائهم على السلطة، قال إن مدارس الفتيات ستُفتح، مضيفاً أنهم "يعملون على تحسين الوضع الأمني".
وبعد عام، كان الرد أن "علماء الدين لديهم تحفظات بشأن سلامة انتقال الفتيات من وإلى المدرسة"، لكنهم يعملون على حل هذه المشكلة.
وفي 2024، قال لي نائب المتحدث باسم حكومة طالبان حمد الله فطرت: "نحن بانتظار قرار القيادة".
والتقيت فطرت، الذي لم يرغب في أن يُصوَّر مع امرأة أو أن يجلس أمامي، هذا الشهر - وسألته كيف يمكنهم الاستمرار في تبرير حظر التعليم الثانوي والجامعي للنساء.
فأجاب، مشيراً إلى أنه "هناك نحو سبعة ملايين صبي وخمسة ملايين فتاة يدرسون حالياً".
وقال: "القيود على التعليم بعد الصف السادس مسألة مختلفة"، موجهاً إيانا إلى وزارة التعليم التي "نأمل أن… تقدم ردّاً مرضياً".
وعندما واصلتُ طرح الأسئلة، مع الإشارة إلى أن النساء والفتيات في أفغانستان أكدن لنا استبعادهن الكامل لإمكانية إلغاء الحظر على تعليم الفتيات تحت حكم طالبان، كان ردّه مجدداً هو مراجعة وزارة التعليم.
ووجّهنا السؤال نفسه إلى وزارة التعليم، لكنها لم تردّ.
وهناك حالة من الانقسام الشديد داخل حكومة طالبان حول قضية تعليم المرأة، والتي باتت واضحة جداً في الآونة الأخيرة. لكن الزعيم الأعلى لم يزد إلا تشدداً في موقفه على مر السنوات.
وأكدت نساء وفتيات، أثناء حديثنا معهن، أنهن يتذكرن يوم إغلاق المدارس أمامهن كما لو كان بالأمس.
وتقول علياء: "لم أفعل شيئاً سوى البكاء والنحيب طوال ذلك اليوم وطوال الليل أيضاً. ولم أستطع النوم لمدة أسبوع، وكنت أشعر وكأنني أسير مثل جثة".
وأضافت: "عندما أرى رجالاً في سني قد تخرجوا ويذهبون إلى الجامعة – ينتابني شعور سيء جداً، أشعر وكأنني أحترق في الجحيم".
وتواجه النساء في أفغانستان الكثير من القيود التي فرضها الزعيم الأعلى لحركة طالبان، ويجري تطبيقها بصرامة في بعض المناطق مع وجود قدر من الحرية في مناطق أخرى.
لكن هذه الأوامر تثير الخوف بين الناس. ويتمثل الأثر الجماعي لتطبيق الحكومة لهذه القواعد، وفي بعض الحالات القيود التي تفرضها النساء على أنفسهن، في أن حضور النساء يكاد يكون منعدماً في الحياة العامة.
وفي دفاعه عن حكومته، يقول فطرت: "لقد أصدرنا آلاف التصاريح للنساء لإدارة أعمال، وهو ما يعد خطوة إيجابية".
كما قال إن وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – وهي شرطة الأخلاق التابعة لحكومة طالبان – عالجت أكثر من "2000 حالة حُرمت فيها نساء من نصيبهن الشرعي في الإرث"، وإن "2500 امرأة كنّ يُجبَرن على الزواج، أو كان هناك من يريد تزويجهن وهن قاصرات، وحصلن على المساعدة".
لكن حكومة طالبان أدخلت الأسبوع الماضي تعديلات بقواعد جديدة في القانون تحتوي ضمنياً على ما قد يُشَرْعِنُ زواج القاصرات، إذ يُسمح بتفسير صمت الفتاة القاصرة على أنه موافقة على الزواج.
إلا أن الأدلة على أرض الواقع تشير إلى خلاف ذلك – إذ إن انتشار الزواج المبكر والزواج القسري آخذ في الازدياد بسبب منع الفتيات من الدراسة.
ويسود شعور بأن أحد أكثر أشكال التمييز المؤسسي قسوة لم يعد يثير القدر نفسه من الصدمة أو الغضب بين النساء والفتيات اللاتي تحدثنا إليهن، إذ ينتابهن شعور بأن العالم تخلى عنهن.
تقول علياء: "لو لم ينسنا العالم، لكُنا رأينا إجراءً يُتخذ لصالحنا".
وتقول نورا: "غالباً ما أفكر: لماذا وُلدنا في أفغانستان؟".
ولدى والدتها كاميلا رسالة إلى الأمهات في جميع أنحاء العالم؛ تقول فيها: "في عالم يُسمح فيه لبناتكن بالدراسة والعمل، اتركوهن يفعلن ذلك. اسمحن لهن بأن يصبحن مستقلات".
وتختم: "أما هنا في أفغانستان، فقد انتهى الأمر بالنسبة لنا".