لماذا يُعدّ إتقان "القرفصاء الآسيوية" مهماً لصحتنا؟

رجل مسن يجلس في وضعية قرفصاء عميقة خارج متجر صغير، وينظر إلى ببغاء أخضر يقف على بُعد بضعة سنتيمترات منه. وتحمل الطائر علامات صفراء حول عينه وعلى ريشه.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، "القرفصاء الآسيوية" هي وضعية قرفصاء عميقة أو كاملة، تُستخدم كثيراً كوضعية للراحة في آسيا وأجزاء من أوروبا وأفريقيا.
    • Author, إستير كاهومبي
    • Role, بي بي سي للصحة العالمية
  • Published
  • مدة القراءة: 6 دقائق

في الصين واليابان وجزء كبير من آسيا، تُعدّ القرفصاء العميقة جزءاً من الحياة اليومية العادية. فالناس يستريحون بسهولة عبر الجلوس قرفصاء، مع إبقاء الكعبين مسطّحين على الأرض، أثناء انتظار القطارات، أو تبادل الحديث مع الأصدقاء، أو تناول الوجبات.

لكن مقاطع فيديو لسياح يحاولون تقليد هذه القرفصاء تحوّلت إلى مشهد لافت على الإنترنت. فمعظمهم يسقط إلى الخلف، أو ينهار جانباً، أو يتمسّك بالجدران طلباً للدعم.

ويقول خبراء حركة الجسم إن الاهتمام بهذا الوضع يفتح سؤالاً أوسع حول أهمية الحفاظ على مرونة الحركة مع التقدّم في العمر.

فلماذا يستطيع بعض الناس الجلوس قرفصاء بسهولة، فيما يجد آخرون صعوبة في الحفاظ على توازنهم؟

ما فوائد "القرفصاء الآسيوية"؟

تُعدّ القرفصاء واحدة من الحركات الأساسية في الجسم.

ويوضح البروفيسور كريستوفر باورز، المتخصص في حركة الإنسان بجامعة جنوب كاليفورنيا في الولايات المتحدة: "لا يمكنك فعل أي شيء من دون أداء حركة القرفصاء".

ويضيف: "أنت تجلس على كرسي، وتخرج من سيارتك، وتستخدم المرحاض، وتنحني لالتقاط شيء من الأرض".

كثيرون يعرفون القرفصاء الأساسية، وهي جزء شائع من تمارين الصالات الرياضية. وتشمل هذه الحركة الانخفاض بالجسم كما لو أنك تجلس، إلى أن يصبح الفخذان موازيين للأرض.

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

لكن "القرفصاء الآسيوية"، المعروفة أيضاً باسم القرفصاء العميقة أو الكاملة، تختلف بوضوح. فهي تقوم على الانخفاض بالجسم إلى أن تنثني الركبتان بالكامل وتندفعان إلى الخارج، مع إبقاء القدمين متباعدتين، والصدر في وضع مستقيم، بحيث يستند الجزء الخلفي من الفخذ إلى عضلات بطة الساق.

وقد نشر مات هسو، وهو مدرّب أمريكي من أصول آسيوية متخصص في مساعدة الناس على تحسين مرونتهم الحركية وقوتهم، مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي عن "القرفصاء الآسيوية" جذبت ملايين المشاهدات. لكنه يستدرك أن الاسم نفسه قد يكون مضللاً.

ويوضح: "سترى أفارقة يعتبرونها تخصهم...ودولاً سلافية، وأي شخص في أوروبا الشرقية سيقول: "هذه قرفصاؤنا، هذه القرفصاء هي قرفصاء الجميع".

ويبين اختصاصيو العلاج الطبيعي أن هذا النوع من القرفصاء العميقة يتطلب مرونة حركية أكبر في الوركين والركبتين والكاحلين، كما تشعر بتأثيره في أجزاء من الجسم أكثر مما يحدث في القرفصاء العادية.

وقد وجدت دراسات أن هذا التمدد الواسع يعني أن القرفصاء العميقة يمكن أن تساعد في زيادة المرونة الحركية والليونة، وتقليل آلام الظهر، وضمان قدر أكبر من الاستقلالية العامة طوال حياتنا.

طفلة صغيرة تبتسم بينما تجلس في وضعية قرفصاء عميقة في حقل عشبي تغمره أشعة الشمس. وهي تمد يدها لالتقاط زهور بيضاء صغيرة. وترتدي الطفلة سترة من الدنيم، وبنطالاً داكناً، وحذاءً وردياً.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، وضعية القرفصاء العميقة حركة يستطيع معظم الناس أداءها بشكل طبيعي في مرحلة الطفولة، قبل أن يفقدوا هذه القدرة تدريجياً.

ويميل الأطفال إلى القدرة على اتخاذ هذه الوضعية بشكل طبيعي وبجهد قليل. ويعود ذلك جزئياً إلى أنهم يتمتعون بمرونة أكبر في المفاصل وبنِسَب جسمانية مختلفة.

لكن التغيّرات في بنية الجسم ليست السبب الوحيد وراء فقدان كثير من البالغين القدرة على أداء القرفصاء العميقة.

فأنماط الحياة القائمة على الجلوس، من استخدام الكراسي والمراحيض المرتفعة، تعني أن كثيراً من البالغين نادراً ما يحتاجون إلى الجلوس في وضعية القرفصاء العميقة في حياتهم اليومية، ما يسهم مع مرور الوقت في تراجع المرونة الحركية والقوة.

ويوضح باورز، الذي تبحث دراساته في كيفية إسهام تغيّرات الحركة في إصابات الركبة: "إن لم تستخدمها، فستفقدها".

لماذا يجد كثير من الآسيويين أداء القرفصاء العميقة أسهل؟

رجل يرتدي قميصاً أزرق زاهياً بأكمام طويلة يؤدي وضعية قرفصاء عميقة. وقدماه مسطحتان على الأرض، فيما تستقر ذراعاه على ركبتيه. ويبتسم بينما يدير رأسه نحو الكاميرا.

صدر الصورة، Matt Hsu

التعليق على الصورة، اضطر مات هسو، الأمريكي من أصول آسيوية، إلى تدريب نفسه على أداء القرفصاء العميقة من جديد، بعدما فقد هذه القدرة مرات عدة بسبب إصابات. ويقول إنها مهارة تستحق الحفاظ عليها من أجل المرونة الحركية والاستقلالية مع التقدم في العمر.

هذه التغيّرات في نمط الحياة أقل انتشاراً في أجزاء من آسيا مثل اليابان، حيث تشمل أنشطة شائعة، مثل الذهاب إلى المطاعم، الجلوس في وضعية القرفصاء.

ويقول هسو، وهو أيضاً مؤسس شركة "أبرايت موفمنت"، التي تقدم تعليماً في مجالي الحركة واللياقة البدنية: "ستظل بحاجة إلى أن تكون قادراً بانتظام على الدخول، وخلع حذائك، والجلوس قرفصاء على حصير التاتامي، ثم الجلوس لتناول وجبتك".

وتتطلب أنشطة أخرى أكثر أساسية أيضاً هذه القوة في الوركين والساقين.

ويضيف: "في بعض أنحاء آسيا، لا توجد سوى مراحيض القرفصاء. وإذا كان عليك التبرز بهذه الطريقة كل يوم، وفي كل مرة تحتاج فيها إلى دخول المرحاض، فلن تفقد هذه القدرة بسهولة كبيرة".

وتحدث هسو إلى بي بي سي خلال مقابلة استمرت 40 دقيقة، بينما كان يحافظ على وضعية القرفصاء العميقة لفترات طويلة، ولم يأخذ سوى استراحة سريعة مرات قليلة.

ويقول إن أهمية حركات مثل القرفصاء اتضحت له بشكل مؤلم من خلال تجربة عائلته.

ويشرح هسو: "تعرض والدي لسقوط اضطر معه إلى استدعاء سيارة إسعاف لرفعه عن الرصيف، لأنه لم يعد قادراً على النهوض من الأرض بمفرده".

وعلى الرغم من أصوله الآسيوية، يؤكد هسو أنه فقد القدرة على أداء القرفصاء العميقة في العشرينيات من عمره، بعدما اضطر إلى الجلوس لفترات طويلة أثناء تعافيه من إصابات رياضية.

ويضيف: "أتذكر أنني لم أكن قادراً حتى على لمس كاحليّ، لأن جسمي كان متصلباً جداً".

واضطر هسو إلى تدريب جسمه على أداء هذه الوضعية من جديد، ويبين إن القدرة على أداء القرفصاء العميقة يمكن تعلّمها، تماماً مثل أي مهارة بدنية أخرى.

كيف يمكنك أداء "القرفصاء الآسيوية"؟

بالنسبة إلى الأشخاص الذين يريدون إتقان القرفصاء العميقة، يحذّر هسو من التعامل معها بقوة مفرطة قبل أن تكون أجسامهم مستعدة.

ويشرح: "لا ينبغي أن تتعجل وتنخفض بجسمك حتى النهاية، لأنك على الأرجح ستؤذي شيئاً ما".

وبدلاً من ذلك، يوصي بالتدرج في أداء الحركة، باستخدام دعم من قطع الأثاث مثل كرسي أو سطح المطبخ، والانخفاض فقط إلى الحد الذي تشعر فيه بالراحة.

ويقول: "إذا فعلت ذلك مرات قليلة كل يوم على مدى بضعة أسابيع، فستلاحظ: "آه، أشعر بالأمان. يمكنني أن أنخفض قليلاً هنا".

تستريح مجموعة من الأشخاص في مكان عام وهم يجلسون في وضعية قرفصاء عميقة ويضحكون. وهم في وضع منخفض قريب من الأرض، مع ثني الركبتين بالكامل وإبقاء القدمين مسطحتين على الأرض. ويحمل أحدهم كاميرا ويلتقط صوراً. وفي الخلف إلى اليمين، تظهر مجموعة أخرى من الأشخاص وهم واقفون.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، يقول اختصاصيو العلاج الفيزيائي إن القرفصاء العميقة ليست الهدف الأمثل للجميع، ولا سيما للأشخاص الذين يعانون أصلاً من آلام في الركبة أو الورك أو الظهر.

لكن مسألة ما إذا كان ينبغي للبالغين إعادة تعلّم القرفصاء العميقة تصبح أكثر تعقيداً مع التقدم في العمر.

ويبين باورز: "مع تقدمنا في العمر، نفقد المرونة الحركية في مفاصلنا، وفي عمودنا الفقري، وفي الوركين، وخصوصاً في الكاحلين"، مضيفاً أن ذلك "يزيد من الحد من قدرتنا على أداء هذا النوع من القرفصاء".

ويوضح باحثون إن أداء القرفصاء بأي عمق مفيد، لكن باورز يحذّر من التعامل مع القرفصاء العميقة كهدف مناسب للجميع، ولا سيما للأشخاص الذين يعانون أصلاً من آلام في الركبة أو الورك أو الظهر.

وفي البيئات السريرية، غالباً ما تُعدّل تمارين القرفصاء بحسب بنية جسم المريض، وإصابته، وتاريخه الصحي، وأهدافه. ويقول باورز إن هذا التعقيد غالباً ما يغيب عن المحتوى المنتشر على الإنترنت.

ويضيف: "كل شخص لديه الطريقة المثلى، لكن الأمور لا تسير بهذه الطريقة". ويضيف: "كل شخص مختلف".

وقد يجد الأشخاص الذين لديهم عظام فخذ أطول، أو مرونة محدودة في الكاحلين، أو بنى مختلفة في الوركين، صعوبة أكبر في الحفاظ على التوازن والوصول إلى عمق أكبر في القرفصاء، بغض النظر عن مدى لياقتهم.

ويرى بعض اختصاصيي العلاج الفيزيائي أن المسألة الأكبر ليست ما إذا كان الشخص قادراً على الجلوس ووركاه على بعد بضع بوصات من الأرض، بل ما إذا كان يواصل الحركة باستقلالية مع التقدم في العمر.

ولا توجد حالياً دراسات تؤكد الأثر أو الفوائد الطويلة الأمد للقرفصاء العميقة على الأشخاص الذين يمارسونها يومياً لفترات طويلة.

ويقول هسو إن الهدف بالنسبة إليه ليس الوصول إلى الكمال، بل استعادة حركة ربما درّبت أنماط الحياة الحديثة الناس تدريجياً على التخلي عنها.

ويضيف: "استناداً إلى تجربتي الشخصية، أقول إنك تحتاج بالتأكيد إلى أن تكون قادراً على التحكم بجسمك، وأن تنهض وتتمكن ببساطة من التعامل مع الجاذبية".