وكالة أممية ترصد تصاعداً في تقارير العنف ضد النساء في غزة

صدر الصورة، Reuters
- Author, يولاند نيل
- Role, مراسل بي بي سي في الشرق الأوسط
- Author, ملاك حسونة
- Role, القدس
- Published
- مدة القراءة: 6 دقائق
*قد يجد بعض القراء أن بعض التفاصيل الواردة في هذا التقرير مؤلمة ومزعجة.
شهد قطاع غزة ارتفاعاً حاداً في بلاغات العنف ضد النساء والفتيات، بما في ذلك حالات الزواج المبكر والقسري، وذلك وفقاً لسلسلة من التقارير الحديثة الصادرة عن صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA).
ويشير أحد التقارير، الذي يحلل بيانات جمعتها 10 منظمات، إلى أن الأزمة الممتدة في غزة، التي مزقتها الحرب، قد "خلقت ظروفاً تواجه فيها النساء والفتيات مخاطر متزايدة للعنف القائم على النوع الاجتماعي".
كما يحذر التقرير من "تصاعد حاد" في أعداد حالات الزواج المبكر والقسري خلال الربع الثاني من هذا العام؛ وكلا الأمرين يُصنّفان ضمن أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي وفقاً للأمم المتحدة.
وفي تقرير آخر يعرض شهادات لـ 230 امرأة في مخيمات نزوح مكتظة بمدينة غزة وخان يونس، تبرز تفاصيل قاتمة تصف أشكال العنف التي تعرضن لها أو شهدن وقوعها.
وتسلط إحدى النازحات وتقيم في مدرسة تحولت إلى مركز إيواء في غزة، الضوء على ظاهرة تزويج ضحايا الاغتصاب من الجناة أنفسهم لتجنب العار والفضيحة، حيث تقول: "عندما تُكتشف حالات اغتصاب في المدارس، تجد حفلات زفاف واحتفالات تُقام في المدرسة نفسها في اليوم التالي".
وتروي امرأة أخرى كيف قام رجل، في ظل المجاعة التي سادت العام الماضي، "بتزويج ابنته البالغة من العمر 14 عاماً مقابل كيسين من الدقيق، ليتمكن هو وأطفاله الآخرون من تناول الطعام". وقد شاركت ست نساء في مخيمات نزوح مختلفة قصصاً عن صفقات تبادل كهذه، وهي ممارسات لم يكن من الممكن تصورها قبل اندلاع الصراع بين إسرائيل وحماس في عام 2023.
ورغم صعوبة جمع البيانات لتحديد الأرقام الفعلية بدقة، أفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن عدد حالات الزواج المبكر والقسري المُبلغ عنها في الربع الثاني من هذا العام قد ارتفع بنسبة 123 في المئة مقارنة بالربع الأول؛ وشملت حالات الزواج المبكر (أو زواج الأطفال) فتيات تتراوح أعمارهن بين 12 و17 عاماً.
يقول نيستور أوموهانجي، ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في فلسطين: "إن هذه المؤشرات صادمة".
ويوضح أن الظروف القاسية التي شهدتها السنوات الثلاث الماضية، والتي تضمنت مقتل عشرات الآلاف ودماراً شاملاً وموجات نزوح متعددة في غزة، قد أدت إلى انهيار البنى الاجتماعية، لدرجة أن "كل شيء قد تآكل.. ولم يعد هناك أي نظام قائم".
وعلى الرغم من إعادة فتح أسواق المواد الغذائية، إلّا أن الكثيرين لا يملكون القدرة المالية لشراء السلع المعروضة؛ إذ لا تزال معدلات الفقر المدقع والجوع مرتفعة، مع استمرار الاعتماد على المساعدات الخيرية.
وقد هُجِّر ما يقرب من كامل سكان قطاع غزة، الذين يتجاوز عددهم المليوني نسمة، من منازلهم، ليجد معظمهم أنفسهم يعيشون في مخيمات خيام تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة أو في مبانٍ متضررة.
وفي الوقت نفسه، انهارت الخدمات العامة إلى حد كبير، واستمرت الغارات الجوية الإسرائيلية رغم سريان وقف إطلاق النار.

صدر الصورة، Reuters
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
وقبل الحرب، كانت الفتيات في غزة يفُقن الفتيان عدداً ويتفوقن عليهم دراسياً في جميع المراحل التعليمية التي تلي المرحلة الابتدائية.
أمّا الآن، ومع استمرار إغلاق المدارس لفترات طويلة، فقد تسرب العديد من الأطفال من التعليم؛ إذ يواجه الفتيان ضغوطاً للبحث عن أعمال غير رسمية للمساعدة في إعالة أسرهم، بينما تواجه الفتيات مخاطر متزايدة تتعلق بسلامتهن.
وفي ظل العيش بين الغرباء وانعدام الخصوصية داخل مجتمع محافظ اجتماعياً، ترد شكاوى حول تزايد حالات التحرش الجنسي والانتهاكات؛ حيث ترى العديد من الأسر في تزويج بناتها وسيلة لحمايتهن والحفاظ على الحشمة.
ويكشف تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، المستند إلى أبحاث أُجريت في أواخر عام 2025 وأوائل عام 2026، عن مدى تعرض الفتيات اللواتي فقدن ذويهن (الأيتام) خلال الحرب لمخاطر خاصة.
وتقول إحدى النساء في مخيم بمدينة غزة، ممن شملهن التقرير، إنها حضرت حفل زفاف فتاتين من عائلتها، لم تتجاوز أعمارهما 14 و15 عاماً.
وتضيف المرأة: "لقد زوّجهما أعمامهما في سن مبكرة جداً. هل تعرفون السبب؟ لأن والديهما استُشهدا، وأراد الأعمام التخلص من عبء المسؤولية والنفقات. والله، إنهن لا يدركن حقيقة الزواج أو الحياة".
وقد وثّق "مركز شؤون المرأة" في غزة، وهو منظمة فلسطينية غير حكومية تتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان، إلى جانب مجموعات دعم أخرى، حالات مؤلمة لفتيات زُوِّجن وعانين من سوء المعاملة، وغالباً ما انتهى بهن الأمر بالحمل.
وتشير هذه الجهات إلى أن احتمالات تعرض المراهقات الصغيرات للإجهاض أو إنجاب أطفال بوزن منخفض تفوق بكثير احتمالات حدوث ذلك لدى النساء البالغات.
ويقول أوموهانجي: "نشهد ارتفاعاً هائلاً في حالات حمل المراهقات بسبب زواج الأطفال. فالفتاة التي تكون في سن لم يكتمل فيه نمو جسدها لتحمّل عبء جسد آخر، والتي تعاني من الجوع وتعيش في ظروف تفتقر للنظافة، ولا تعرف كيفية رعاية الرضيع أو حتى كيفية العناية بنفسها؛ تكون عواقب حملها وخيمة للغاية دائماً".
وتُصنِّف الأمم المتحدة ومعظم المنظمات الإنسانية زواج الفتيات دون سن الثامنة عشرة على أنه "زواج مبكر".
وحتى قبل الحرب، كانت هذه الظاهرة أكثر شيوعاً بين الفلسطينيين في قطاع غزة (الخاضع لحكم حماس) مقارنة بالضفة الغربية المحتلة، وإن كانت معدلاتها في تراجع.
ويسمح القانون في غزة باستثناءات فيما يتعلق بالحد الأدنى لسن الزواج (17 عاماً)، وذلك بموافقة الوالدين وتصريح من القاضي.
ويمكن لمسؤولي المحاكم الموافقة على زواج من لا تتجاوز أعمارهم 14 عاماً وسبعة أشهر، رغم أن خبيراً محلياً في الشريعة أخبرنا بأن "الضمانات القانونية" قد أُلغيت حين أُغلقت المحاكم الشرعية التي تتولى قضايا الأسرة الخاصة بالمسلمين، خلال فترة طويلة من الحرب.

صدر الصورة، Anadolu via Getty Images
وقد تحدثت البي بي سي إلى بعض العائلات التي شهدت حالات زواج لأقارب فُجعوا بفقدان ذويهم، حيث يقول زهير، البالغ من العمر 25 عاماً، إن أعمامه ضغطوا عليه للزواج من فتاة تبلغ من العمر 16 عاماً من العائلة الممتدة، وذلك بعد مقتل والدها، الذي كان ولي أمرها الوحيد، في غارة جوية إسرائيلية.
وعند سؤاله عن سبب موافقته على المضي قدماً في هذه الخطوة، قال: "أحد الأسباب التي دفعتني للزواج منها هو عدم وجود من يعتني بها؛ هذه هي النقطة الأولى".
ويضيف زهير: "لولا الحرب، لكانت لا تزال فتاة صغيرة مدللة لدى والدها، ولظلت تذهب إلى المدرسة. إنها لا تزال تمتلك عقلية طفلة، لا عقلية ناضجة؛ فهي تفتقد المدرسة وعائلتها وأصدقاءها، بل تفتقد حتى مجرد الجلوس في المنزل".
وفي حالة أخرى، وافق زوجان على زواج ابنهما (17 عاماً) من ابنة عمه (16 عاماً) بعد مقتل ابنهما الأكبر ووالد الفتاة.
والآن، بما أن الفتاة المراهقة حامل، فلن تعود إلى المدرسة؛ إذ يقول والد زوجها: "عليها أن تعتني بطفلها، وسيكون تعليمها بلا جدوى".

صدر الصورة، EPA
لا تزال حوادث العنف الجنسي في غزة تعاني من نقص حاد في الإبلاغ عنها، ويعزى ذلك إلى حد كبير للخوف من الوصمة الاجتماعية والانتقام.
وقد أظهرت عمليات تقييم السلامة التي أجرتها الأمم المتحدة وجود مخاطر محددة تواجه النساء والفتيات ليلاً، مما يدفعهن لتجنب استخدام المراحيض ودورات المياه في المخيمات.
وأشار أحدث تقرير تحليلي صادر عن فريق العمل الذي يقوده صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) إلى أن حوادث العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب والاعتداء الجنسي، "بلغت مستويات حرجة في غزة".
فقد شكلت هذه الحوادث 2.7 في المئة من إجمالي حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي المُبلغ عنها في الفترة ما بين أبريل/نيسان ويونيو/حزيران 2026، ارتفاعاً من 2.1 في المئة في الربع السابق؛ وهو ما يمثل زيادة بنسبة 61 في المئة في العدد المطلق للحالات.
ويرتبط هذا الارتفاع بالجهود المبذولة لرفع مستوى الوعي وتوفير آليات أفضل لتقديم بلاغات سرية.
وأظهرت البيانات الديموغرافية أن غالبية الناجيات كنّ من النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 18 و59 عاماً، تليهن الفتيات المراهقات بنسبة 8 في المئة، ثم الرجال البالغين بنسبة 5 في المئة.
وتواجه النساء الأرامل، أو اللواتي يُعتقل أزواجهن أو يُفقدون، خطراً متزايداً للتعرض للاعتداء والاستغلال الجنسي.
وتشير التقارير إلى أن ما يقرب من أسرة واحدة من بين كل أربع أسر ترأسها امرأة حالياً، وهي نسبة تبلغ ضعف ما كانت عليه قبل الحرب.
وتستذكر إحدى النساء في مدينة غزة، خلال مقابلة أُجريت لإعداد تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان، واقعة قائلة: "كانت إحدى الأرامل تبحث عن خيمة، فقال لها ممثل عن المخيم: سأعطيكِ خيمة وسنضعكِ في مخيمنا، ويمكنكِ المجيء للبقاء معي الليلة".
وترى وكالات الإغاثة أن المخاطر التي تواجهها النساء في غزة يمكن تخفيفها بشكل كبير من خلال تحسين الظروف الإنسانية.
وهناك مطالبات لإسرائيل بالسماح بإدخال ملاجئ ذات جودة أفضل إلى القطاع، فضلاً عن معدات لتحسين المراحيض وأنظمة الصرف الصحي والإضاءة؛ إذ تفرض إسرائيل قيوداً على المواد التي تصنفها على أنها ذات استخدام مزدوج محتمل لأغراض عسكرية.
وتجري حالياً جهود لتحسين التعليم والرعاية الصحية، إلى جانب خطط طويلة الأمد لإطلاق حملات لمكافحة العنف المنزلي وزواج الأطفال. ورغم أن مسار حياة الكثيرين في غزة قد تغير بشكل دائم، إلا أن النساء يعربن عن أملهن في مستقبل يشعرن فيه -على الأقل- بمزيد من الأمان.




























