فوضى تسود المعارضة التركية وتضع المشهد السياسي في مفترق طرق

أكرم إمام أوغلو

صدر الصورة، EPA

التعليق على الصورة، أعلن حزب الشعب الجمهوري رسمياً أكرم إمام أوغلو مرشحاً رئاسياً له عقب انتخابات تمهيدية في 2025
    • Author, إمري تيميل
    • Role, بي بي سي - تركي
  • Published
  • مدة القراءة: 6 دقائق

دخل حزب المعارضة الرئيسي في تركيا في اضطرابات منذ إصدار محكمة في العاصمة أنقرة قراراً بإقالة القيادة الداخلية لحزب الشعب الجمهوري (CHP) في 21 مايو/ أيار الماضي.

وعقدت الفصائل المتنافسة اجتماعات متزامنة وأصدرت بيانات متضاربة، إذ يدعي كل منها أن لديه السلطة القانونية في الحزب.

وتغلغلت هذه الفوضى في هيكل الحزب حتى أصابته بالشلل إلى حد دفع بعض المراقبين إلى توقع بأن هذا الصراع غير المسبوق على السلطة قد يؤدي حتى إلى انشقاق أو تشكيل حزب جديد من داخل حزب الشعب الجمهوري.

كما أثار الحكم القضائي الأخير أيضاً انتقادات تضمنت مزاعم بأن الحكومة تشدد قبضتها على الحياة السياسية في تركيا.

وفي حديثها إلى بي بي سي الخدمة التركية، وصفت رئيسة قسم العلوم السياسية في جامعة إشيك في تركيا سيدا ديميرالب قرار "البطلان المطلق" بأنه "نقطة تحول جديدة في التراجع الديمقراطي الذي تشهده تركيا في الفترة الأخيرة".

وقالت المحللة السياسية الأكاديمية: "هذا أمر غير مسبوق في تاريخ السياسة التركية. وقد خلف هذا الحكم حالة من الارتباك والقلق إزاء ما يمكن أن يحدث بعد ذلك". وبحسب المحللة السياسية سيرين سيلفين كوركماز، وهي أيضاً المديرة المشاركة لمعهد إسطنبول، تشير الخطوة الأخيرة لإقصاء قيادة المعارضة الرئيسية في تركيا إلى انتقال من "السلطوية التنافسية" إلى "السلطوية القائمة على الهيمنة".

وأضافت: "نحن ننتقل إلى نظام تُجرى فيه الانتخابات، لكن المؤثرين من عناصر المعارضة إما موالين للحكومة أو غير قادرين على الفوز في الانتخابات".

قرار المحكمة وأهميته

اندلعت أزمة "البطلان المطلق" في تركيا عقب حكم صادر عن محكمة استئناف في أنقرة.

وأبطلت المحكمة انتخابات حزب الشعب الجمهوري في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، وأقالت الزعيم المنتخب للحزب أوزغور أوزيل.

ومن خلال الاستناد إلى مبدأ "البطلان المطلق"، وهو مفهوم قانوني يعني أن القرار يُعد باطلاً منذ صدوره كما لو كان غير موجود قانوناً، قامت المحكمة فعلياً بإلغاء كامل الانتخابات رئاسة الحزب كليةً ونتائجها.

كما قضى الحكم بإعادة تنصيب كمال كيليتشدار أوغلو، 77 عاماً، والذي خسر الانتخابات الرئاسية في مايو/ أيار 2023، زعيماً شرعياً للحزب.

اتهامات "بانقلاب قضائي" ورد الحكومة

مظاهرات أمام مقر حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض الرئيسي في البلاد

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، يحذر مراقبون من أن يؤدي قرار المحكمة التركية بإلغاء نتائج انتخابت الشعب الجمهوري إلى التحول إلى المزيد من السلطوية
تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

استندت محكمة أنقرة في حكمها إلى "مخالفات منهجية" و"شراء أصوات" بوصفهما أبرز أسباب القرار.

ونفى أوزغور أوزيل بشدة جميع هذه الادعاءات، وندد بحكم المحكمة واعتبر أن ما حدث برمته "انقلاب قضائي" دبره الرئيس رجب طيب أردوغان.

وانتقد الرئيس التركي حزب المعارضة الرئيسي وزعيمه المُقال، قائلاً صراحة إن حكومته "لن تكون طرفاً في صراع السلطة الداخلي لحزب الشعب الجمهوري".

وأعلن حزب الشعب الجمهوري رسمياً منافسه المحتمل الأبرز أكرم إمام أوغلو مرشحاً رئاسياً له عقب انتخابات تمهيدية في مارس/ آذار 2025.

غير أنه تم اعتقاله وعزله من منصبه على خلفية اتهامات من بينها الفساد والرشوة والتزوير وقيادة تنظيم إجرامي.

وعلى الرغم من نفيه جميع الاتهامات، فإن محاكمته التي بدأت في مارس/ آذار الماضي يُتوقع أن تستمر لسنوات نظراً لاتساع نطاق القضية.

بالإضافة إلى ذلك، يشترط القانون التركي الحصول على شهادة جامعية سارية للترشح للرئاسة، لكن الشهادة الجامعية الخاصة بأكرم إمام أوغلو صدر قرار بسحبها العام الماضي.

وفي تركيا، يرى معارضون أن كلا القضيتين (محاكمة بلدية إسطنبول وقرار البطلان المطلق) تشكلان جزءاً من حملة أوسع نطاقاً ذات دوافع سياسية لقمع المعارضة الرئيسية قبيل الانتخابات الرئاسية والعامة المقبلة المقرر إجراؤها بحلول مايو/ أيار 2028.

لكن الحكومة التركية تنفي هذه الادعاءات، مؤكدة أن كلا المسارين القضائيين مستقلين تماماً وموضوعيين ويستندان بشكل صارم إلى سيادة القانون.

ما الذي ينتظر حزب الشعب الجمهوري والمعارضة في تركيا؟

أوزغور أوزيل

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، زعيم حزب الشعب الجمهوري المخلوع أوزغور أوزيل يلوح لأنصاره فوق سيارة للشرطة أثناء مسيرتهم عبر العاصمة التركية أنقرة

وصف أوزغور أوزيل قرار المحكمة بأنه "تدخل ضد إرادة حزب الشعب الجمهوري". وشدد على ضرورة عقد مؤتمر طارئ الشهر المقبل في المقام الأول بهدف إنقاذ حق الحزب قانونياً في خوض الانتخابات المقبلة، وحذر من تحويل العملية إلى سباق قيادة فوضوي.

من جهة أخرى، يبدو أن زعيم حزب الشعب الجمهوري المعاد تنصيبه كمال كيليتشدار أوغلو يعارض عقد مؤتمر حزبي في وقت قريب، مكرراً الرسالة نفسها: "سأقوم بتطهير الحزب".

وفي تركيا، تتردد شائعات بأن محور أوزغور أوزيل – أكرم إمام أوغلو قد ينفصل في نهاية المطاف عن حزب الشعب الجمهوري، مما يمهد الطريق لظهور حركة سياسية جديدة على غرار نموذج ماكرون.

وتقول ديميرالب إن هناك استطلاع رأي أُجري في أوائل يونيو/ حزيران أشارت نتائجه إلى أن غالبية أنصار المعارضة الرئيسية يواصلون دعم أوزغور أوزيل.

وتضيف: "قد يتم تأسيس حزب جديد [بقيادة أوزيل]، لكن مجرد انقسام الحزب لا يعني أن الناخبين سينقسمون أيضاً. فمعظم الناخبين سيحددون موقفهم وفقاً لموقع أوزغور أوزيل"، في إشارة إلى احتمال مغادرة أوزيل وأنصاره حزب الشعب الجمهوري.

وأوضحت ديميرالب أن معظم أنصار المعارضة ينظرون إلى الحكم على أنه "تدخل سياسي عبر القضاء" من قبل حزب العدالة والتنمية الحاكم بقيادة الرئيس أردوغان.

ويقول كوركماز إن الرئيس أردوغان قرر "تفكيك المعارضة وإعادة تصميم السياسة" في تركيا بعدما تعرض حزبه لانتكاسات كبيرة في انتخابات 2024 المحلية.

ويضيف كوركماز: "فاز أردوغان في الانتخابات الرئاسية لعام 2023 بهامش بسيط. وخسر في عام 2024. وقد أظهر له ذلك أنه لن يكون قادراً على الفوز في مواجهة كتلة معارضة قوية في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة".

ويرجح ممثلون لشركات استطلاعات رأي، تحدثوا إلى بي بي سي الخدمة التركية، أن الحكم القضائي الأخير تسبب في قدر كبير من القلق بين ناخبي حزب الشعب الجمهوري.

وبحسب مدير شركة كوندا أيدين أردم، يبدو من الصعب في الوقت الراهن على كمال كيليتشدار أوغلو أن يحظى بدعم واسع داخل قواعد حزب الشعب الجمهوري.

ويقول مدير مؤسسة غوندمار تامر بولات: "إنهم (القواعد الشعبية) يريدون أن يستمر الحزب كحزب الشعب الجمهوري. ولكن إذا توصلوا إلى قناعة بأن التغيير لم يعد ممكناً في ظل الظروف الحالية، فإن ميلاً قد يظهر إلى مواصلة النضال ضمن كيان سياسي جديد".

ويقول إحسان أكتاش، رئيس شركة غينار، إن فئة "الناخب العقلاني" ربما يرجع دعمها لحزب الشعب الجمهوري إلى أنها رأت فيه بديلاً موثوقاً للسلطة، لكنها ترى أن هذه الشريحة قد تميل إلى التردد مع تعمق الأزمة الداخلية للحزب.

ويضيف: "قد يقول هؤلاء الناخبون ببساطة: خلافكم الداخلي لا يعنينا وينتقلون إلى فئة المترددين".

خيارات الرئيس أردوغان

أردوغان

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، يرى مراقبون أن حزب العدالة والتنمية الحاكم قد يتخذ أكثر من مسار للإبقاء على أردوغان في منصبه حتى بعد انتهاء فترة ولايته الثانية والأخيرة، وفقاً للدستور التركي

ربما كانت الهزيمة في الانتخابات المحلية في 2024 هي أكبر انتكاسة في المسيرة السياسية للرئيس أردوغان.

ولا يسمح القانون لأردوغان بالترشح في انتخابات الرئاسة المقبلة في 2028 بموجب الدستور الحالي، إذ إنه يقضي ولايته الثانية والأخيرة ضمن نظام الرئاسة التنفيذية.

على ذلك، يكون أمام الرئيس التركي مساران محتملان لتجاوز حدود عدد الفترات الرئاسية؛ وهما:

أولهما أن يقرر البرلمان التركي الدعوة إلى انتخابات مبكرة بأغلبية ثلاثة أخماس (360 من أصل 400 مقعد).

أما المسار الثاني فيتضمن إجراء تعديل دستوري مباشرة من قبل البرلمان (يتطلب 400 صوت) أو عبر استفتاء وطني (يتطلب 360 صوتاً).

ولا يمتلك الائتلاف الحاكم في تركيا بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية عدد المقاعد الكافي بمفرده لتلبية هذه المتطلبات الدستورية.

وحتى يمكنه الحصول على 360 صوتاً في البرلمان، يحتاج الائتلاف إلى دعم من أحزاب المعارضة، بما في ذلك حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب المؤيد للأكراد.

وحتى يصل إلى 400 صوت، سيضطر التكتل الحاكم إلى توسيع نطاق تحركاته بشكل أكبر، سعياً للحصول على دعم من أحزاب ومجموعات إضافية، بما في ذلك 27 نائباً متحالفين مع زعيم حزب الشعب الجمهوري المعاد تنصيبه بحكم قضائي كمال كيليتشدار أوغلو.

وتشير التطورات الأخيرة في تركيا إلى اتجاهين رئيسيين:

قد يكون هذا الصيف حافلاً بالاضطرابات السياسية في تركيا، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الاضطرابات داخل حزب المعارضة الرئيسي واحتمال متزايد بظهور حزب جديد من داخله.

كما تتزايد احتمالات إجراء الانتخابات الرئاسية والعامة قبل عام 2028.