"اضطررت إلى حقن سيرتي الذاتية بالبوتوكس": هل تؤثر أدوات توظيف بالذكاء الاصطناعي على فرص عمل النساء؟

- Author, ميغان أوين
- Role, مراسلة شؤون العمل والمال في لندن
- Published
- مدة القراءة: 8 دقائق
إن الخوف من أن يصبح المرء خارج سوق العمل بسبب التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي هو حالة عامة تؤثر في ملايين العمال، لكن السؤال الآن هو: هل تشكل أدوات التوظيف التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي تهديداً خاصاً للنساء الباحثات عن العودة إلى العمل بعد فترة انقطاع؟
قررت ستايسي دوغيد، البالغة من العمر 52 عاماً، العودة إلى سوق العمل وإيجاد "وظيفة أخيرة"، بعد مسيرة مهنية امتدت لعقود، شغلت خلالها مناصب إدارية عليا في مجال الأزياء، وقضت فترة في العمل الحر (فريلانس).
لكن رحلة البحث عن وظيفة أخيرة امتدت إلى 16 شهراً مع إرسال "عددٍ لا نهائي" من السير الذاتية، وتلقي القليل جداً من الردود الآلية على هذه الرسائل، على الرغم من أنها لم تواجه صعوبة في العثور على عمل من قبل.
وتصف شعورها قائلة: "شعرتُ بالوحدة والخجل"، وتساءلت عما إذا كانت هذه "مشكلة شخصية"، ونشرت على وسائل التواصل الاجتماعي تسأل عما إذا كانت النساء الأخريات في سنها يعشن التجربة نفسها.
وكانت الاستجابة هائلة؛ إذ قالت آلاف النساء إنهن يواجهن صراعات مماثلة.
تعتقد ستايسي، التي تعيش في شمال لندن، أن أدوات التوظيف المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تلعب دوراً في المشكلة، وقد عدّلت سيرتها الذاتية عن طريق إزالة الإشارات إلى عمرها وخبرتها.
وقالت: "الذكاء الاصطناعي يعكس صورة المجتمع، إنه انعكاس لتحيزاتنا. أنا لا أقول إن هذه قضية تخص النساء فقط، فقد تلقيتُ رسائل من الرجال أيضاً؛ إن وجهة نظري تتعلق بالتمييز على أساس الجنس والعمر".
الثقة "تراجعت"
بعد ذلك، تحدثت بي بي سي إلى أكثر من 60 امرأة، تتراوح أعمارهن بين 40 و65 عاماً في عدد من مجالات العمل، واللاتي كُنَّ يكافحن للعثور على عمل.
معظم هؤلاء النساء لديهن خبرة طويلة تمد لعقود في مناصب عليا، وأكدن إرسال عدد لا يحصى من السير الذاتية، لكنه لم يكن هناك سوى الرفض عبر رسائل آلية، أو لم يكن هناك أي رد على الإطلاق.
ومثل ستايسي، تعتقد الكثيرات منهن أن أدوات التوظيف التي تعمل بالذكاء الاصطناعي تلعب دوراً فيما تعرضن له.

صدر الصورة، Koeyli Jaluka
شغلت كويلي جالوكا، 49 عاماً، مناصب عليا في قطاعات التصنيع والشركات والرعاية الصحية.
وتصف ما تعرضت له قائلة: "لم أكن في هذا الموقف من قبل. على مدى 10 أو 12 سنة ماضية، كنت أتلقى عروض عمل مغرية. أما الآن فأنا أبحث عن وظائف وأواجه رفضاً مستمراً".
وبعد تسريحها من العمل قبل تسعة أشهر، تقدمت بطلبات توظيف لنحو 442 وظيفة، لكن لم يكن هناك رد إلا في حالات قليلة. وأُبلغت أحياناً بأنها "أكبر من اللازم"، وتعتقد أن هذا "تلميح إلى تقدم العمر". ورغم خبرتها التي تمتد لعقدين وحصولها على شهادتين جامعيتين، تقول إن ثقتها بنفسها "تأثرت سلباً".
وتعتقد أن الميزانيات المحدودة، وفحص طلبات التقدم للوظائف باستخدام الذكاء الاصطناعي، ومعايير التوظيف الضيقة بشكل متزايد، كلها عوامل تُسهم في هذا الوضع.
وتضيف: "مدربو التوظيف نصحوا الكثير منا بحذف السنوات العشر الأولى من العمل من سيرنا الذاتية؛ فقط لضمان عدم ظهورنا على أننا عملنا لفترة طويلة جداً".
أتلقى إعانة الباحثين عن عمل

صدر الصورة، Anna Cowie
آنا كاوي، 52 عاماً، عملت في مجال الإعلان لمدة 30 عاماً، لكنها عاطلة عن العمل منذ ما يقرب من أربع سنوات.
والآن لم تعد قادرة على إحصاء عدد السير الذاتية التي أرسلتها، على الرغم من أنها لم تكن عاطلة عن العمل من قبل.
وبعد عقود من العمل لدى علامات تجارية كبيرة، كان آخرها المساعدة في إطلاق محطة باترسي للطاقة الجديدة، أصبحت الآن تتلقى إعانة الباحثين عن عمل.
اتجهت آنا إلى التطوع في المهرجانات المجتمعية، ووجدت أن التواصل مع الناس الحقيقيين أمرٌ أكثر جدوى.
وتصف شعورها حيال ما تقوم به قائلة: "يُنظر إليك كإنسان، وليس مجرد سطور على ورق".
"تداعيات هائلة"
من المستحيل في كثير من الحالات معرفة ما إذا كانت أدوات الذكاء الاصطناعي قد لعبت دوراً في عملية فرز طلبات التوظيف أو رفض المتقدمين؛ لأن أصحاب العمل نادراً ما يكشفون عن تفاصيل عمليات التوظيف الخاصة بهم، إلا أن هناك مخاوف كثيرة من أن أدوات التوظيف التي تعمل بالذكاء الاصطناعي تضر بالنساء في منتصف العمر.
وأثار فريق عمل "نساء مدينة لندن للتحول الرقمي"، الذي يركز على النساء في قطاع الخدمات المالية والمهنية، مخاوف بشأن الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في التوظيف وتأثيره في النساء.
وقالت رئيسة الفريق، كارولين هاينز، إن بحث الفريق وجد قلقاً بالغاً من أن الذكاء الاصطناعي المستخدم في فحص طلبات التوظيف والسير الذاتية لا يتعرف على المهارات التي يمكن أن تقدمها الكثير من النساء ذوات الخبرة.

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
وقالت كارولين: "هناك مستوى عالٍ من القلق من أن الذكاء الاصطناعي في مستوى التوظيف الأولي... لا يأخذ في الحسبان مهارات مجموعة كبيرة من النساء اللاتي يمكن أن يَكُنَّ فاعلات للغاية، ومن ثَمَّ يُعزِّزن النمو الاقتصادي".
على سبيل المثال، قد تكون هناك فجوة في السيرة الذاتية لنساء حصلن على إجازة من العمل لرعاية الأطفال، وهو ما قد تفسره بعض أنظمة الفحص بالذكاء الاصطناعي بشكلٍ سلبيٍّ.
أما فيما يتعلق بالصورة الأكبر، فإن فريق العمل يُقدِّر فقدان مئات الآلاف من وظائف النساء بحلول عام 2035؛ بسبب الذكاء الاصطناعي والأتمتة.
وباستخدام البيانات الواردة من "توقعات السوق والمهارات: من 2020 إلى 2035"، الصادرة عن وزارة التعليم، يحذر الفريق من أنه من دون استثمار كبير في إعادة التدريب، يمكن أن تتكبد الشركات أكثر من 750 مليون جنيه إسترليني تكاليفَ إنهاء الخدمة.
وفي استطلاع حديث أجراه فريق العمل الرقمي وشمل أكثر من 1000 امرأة، كشفت 68 في المئة منهن أنهن لم يحصلن على فرصة من صاحب العمل لإعادة التدريب أو الانتقال إلى أدوار رقمية.
وتوضح كارولين أنه عندما تكون البلاد في أمس الحاجة إلى النمو الاقتصادي: "نحتاج إلى استخدام كل الموارد المتاحة لدينا، بما في ذلك موارد النساء في منتصف مسيرتهن المهنية، ذوات الخبرة المتوسطة. وإذا انسحبن من سوق العمل، فستكون هناك عواقب وخيمة".

علمت بي بي سي أن بعض الشركات التي تتخذ من لندن مقراً لها قد توقفت عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي؛ خوفاً من التحيز في عمليات التوظيف.
وقالت لورا هولدن، وهي محامية متخصصة في الذكاء الاصطناعي ومؤسسة شركة "Bonsai" للاستشارات القانونية والذكاء الاصطناعي، إن الشركات غالباً لا تفهم كيفية عمل هذه الأدوات، وهو ما قد يتسبب في "ضرر كبير".
وأضافت أنه من الصعب تحديد ما إذا كان هناك تحيز؛ لأن "هناك نقصاً في التنظيم على مستوى العالم يتطلب من مقدمي الخدمات إظهار كيفية عمل أدواتهم".
وضربت أمثلة بأدوات فحص السير الذاتية والمقابلات التي تُقَيَّم بواسطة الذكاء الاصطناعي، بوصفها وسائل يمكن أن تتسبب في ظهور التحيز.
وأوضحت أن إحدى الأدوات تُقيّم السير الذاتية بدرجات من (A) إلى (D)، ما يشجع مسؤولي التوظيف على إعطاء الأولوية للمرشحين في التصنيف الأعلى. وفي المقابل، تُشير أدوات أخرى إلى عوامل محددة، مثل وجود فجوة مهنية مدتها سبع سنوات في السيرة الذاتية، بوصفها "أمراً جديراً بالملاحظة"، ما قد يؤثر في القرارات بشكل غير عادل.
وتضيف لورا أن مُزوّدي هذه الأدوات "يسارعون" إلى الادعاء بأنها آمنة وتقلل التحيز، بينما يصممونها ويسوقونها بطرق تشجع أصحاب العمل على رفض أعداد كبيرة من المتقدمين للوظائف بناءً على نتائج مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي. وأشارت إلى أنه على الرغم من أن الشركات تصفها بأنها أدوات لدعم اتخاذ القرار، فإنها غالباً ما تكون "أنظمة آلية لاتخاذ القرار".
ودعت لورا هولدن إلى إجراء اختبارات إلزامية وفرض لوائح تنظيمية أقوى قبل استخدام أدوات التوظيف التي تعمل بالذكاء الاصطناعي؛ بحجة أن القوانين الحالية لم تُصمَّم مع وضع الذكاء الاصطناعي في الحسبان.
منطق "معيب تماماً"
ومن جانبها، أوضحت الدكتورة إليانور دراج، وهي باحثة أولى في جامعة كامبريدج، أن المخاوف بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي في النساء في التوظيف "مبررة بشدة".
ودافعت عن وجهة نظرها بأن مسؤولي التوظيف البشريين أكثر قدرة على إدراك قيمة المرشحين العائدين من فترات انقطاع عن العمل، مثل إجازة الأمومة، والمهارات التي سينقلونها معهم، وهي صفات قد يتجاهلها الذكاء الاصطناعي.
وقالت إليانور إنه "من الصعب للغاية" إثبات أن أدوات التوظيف التي تعمل بالذكاء الاصطناعي متحيزة بطبيعتها، إلا أنها أوضحت أن المنطق الذي تعمل به "خاطئ تماماً"؛ لأنها لا تستطيع تقييم القيمة الجوهرية للشخص أو شخصيته بالطريقة نفسها التي يتبعها مسؤول التوظيف البشري.
وأضافت أن الكثير من مسؤولي التوظيف لا يفهمون تماماً كيفية عمل هذه الأدوات، وقالت إنه ينبغي للشركات استخدام الذكاء الاصطناعي لتقييم ممارسات التوظيف الخاصة بها؛ بدلاً من تقييم "الفئات السكانية الضعيفة، مثل النساء الأكبر سناً اللواتي يَعُدنَ إلى سوق العمل، أو الأشخاص الذين انقطعوا عن العمل لفترة".
وعلى الرغم من أنها ترى وجود فوائد لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مساعدة مديري التوظيف في تحديد المرشحين ذوي الخصائص المشابهة للأشخاص الذين عُيِّنوا سابقاً، فإنها تقول غالباً: "إنها ليست في صف الباحث عن العمل".
"اختبارات صارمة"
إن المخاوف التي أثارها المشاركون في هذه المقالة تتعلق باستخدام أدوات التوظيف المدعومة بالذكاء الاصطناعي على نحو أوسع، ولا تستهدف مزوّداً محدداً لهذه الخدمة.
وتواجه شركة "وورك داي" (Workday)، الشركة المُصنّعة لبرامج إدارة الموارد البشرية الشهيرة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، مزاعم بأنها انتهكت قانون كاليفورنيا آلاف المرات؛ عبر استبعاد المتقدمين للوظائف في الكثير من الشركات الكبرى لأسباب تمييزية.
وما زالت القضية مستمرة، ومن المتوقع صدور الحكم في وقت لاحق من هذا العام.
وقد تواصلت "بي بي سي" مع الشركة، التي رفضت الادعاءات الواردة في الدعوى القضائية ووصفاتها بأنها "كاذبة"، مضيفةً أن أدواتها لا تتخذ قرارات التوظيف.
وبشكل عام، تؤكد شركة "وورك داي" أن أدوات التوظيف الخاصة بها تساعد مسؤولي التوظيف في تحديد المرشحين الذين يتطابقون على نحو أفضل مع الوصف الوظيفي بناءً على مهاراتهم وخبراتهم، ما يدعم الحكم البشري النهائي ولا يكون بديلاً عنه.
وقالت الشركة إن أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها "خضعت لاختبارات صارمة" من خلال برنامج الذكاء الاصطناعي المسؤول الخاص بها، و"لا تأخذ في الحسبان سماتٍ مثل العمر أو الجنس".
وأضافت أنه عند استخدام الذكاء الاصطناعي على نحو مسؤول، فإنه يمكن أن يساعد المرشحين المؤهلين في تجنب "ضياعهم بين الطلبات الأخرى".

صدر الصورة، Eleanor Drage
أثار رئيس الوزراء البريطاني، آندي بورنهام، مؤخراً مخاوف بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في التوظيف، محذراً من أنه لم يجعل "التوظيف أكثر عدلاً".
وقال متحدث باسم الحكومة: "على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد أصحاب العمل في إدارة كميات كبيرة من الطلبات وتقليل الأعباء الإدارية، فإن من الضروري أن تظل عمليات التوظيف عادلة وشفافة ومتاحة للجميع".
وأضاف: "الحماية القانونية القائمة، بما في ذلك قانون المساواة وحماية البيانات، تنطبق بالفعل على أنظمة الذكاء الاصطناعي، وسنتخذ الإجراءات اللازمة حيثما دعت الحاجة إلى حماية إضافية".
وأوضح متحدث باسم عمدة لندن، السير صادق خان، أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصاً وتحديات في آنٍ واحد، لا سيما أن النساء أكثر عرضةً للعمل في وظائف تتطلب استخدام الذكاء الاصطناعي.
وأضاف أن العمدة أيّد توصيات فريق عمل لندن المعني بالذكاء الاصطناعي والوظائف؛ وذلك لمساعدة أصحاب العمل في تبني الذكاء الاصطناعي بمسؤولية ودعم العاملين خلال هذه المرحلة الانتقالية.
أما بالنسبة لستايسي، فقد أنشأت منصة ومجموعة دردشة مجتمعية لمساعدة النساء على الشعور بأنهن أقل وحدة، ولمساعدة الشركات في معالجة القضايا المطروحة.
وتقول عن المبادرة: "أريد أن يُسمع صوتنا وأن نُرى كمجموعة، وأن يصبح التمييز على أساس الجنس والعمر شيئاً من الماضي؛ لأننا إذا كنا محظوظين، فإننا جميعاً نتقدم في العمر".





























