في اليوم العالمي لحرية الصحافة: هل بات الإعلام "مهنة الموت" في لبنان؟

    • Author, داليا حيدر
    • Role, بي بي سي نيوز عربي - لندن
  • مدة القراءة: 7 دقائق

"في كل يوم قبل خروجي إلى العمل، أردّد صلواتي. أحاول أن أحفظ ملامح وجه ابني الذي لم أره كثيراً خلال الحرب. أنظر إلى زوجتي وهي تودعني، وأسأل نفسي: هل يمكن أن تكون هذه هي النظرة الأخيرة؟"

علي زين الدين، إعلامي ومصور في جنوب لبنان، يلخص لنا حجم الضغوط النفسية والمخاطر الأمنية التي يجابهها كل صباح عند توجّهه لتغطية المواجهات المستمرة في المنطقة.

لا يعرف إن كان سيعود. وحاله في ذلك كحال العديد من الإعلاميين اللبنانيين الذين عبّروا لبي بي سي عن خشيتهم على حياتهم خلال تغطيتهم للحرب الدائرة.

"هذه الحرب غادرة"

منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تبع ذلك من فتح حزب الله اللبناني ما سمّاه "جبهة إسناد" ضد إسرائيل، وثّقت لجنة حماية الصحفيين مقتل 15 صحفياً وعاملاً في مجال الإعلام في غارات إسرائيلية في لبنان.

وتوجِّه اللجنة، إلى جانب منظمات حقوقية أخرى، اتهامات لإسرائيل بالاستهداف المتعمّد للصحفيين في مسرح العمليات، وهو ما ينفيه الجيش الإسرائيلي.

يتذكر رامز القاضي، مراسل "قناة العربي" في بيروت "لحظات الرعب والقلق" حين استُهدف مقرّهم بغارة إسرائيلية في منطقة حاصبيا في تشرين الأول/أكتوبر 2024.

يقول القاضي: "استيقظنا على صوت الغارة، واختبرنا كل مشاعر القلق والخوف، وأنت تتأكد إن كنت ما تزال على قيد الحياة أم لا".

ويضيف: "كانت لحظات قاسية، والأقسى خسارة زملاء صحفيين باستهداف متعمد"، مشيراً إلى أن الفريق كان بنقطة آمنة، وتم إخطار قوات اليونيفل والجيش بمكانهم، لكن "بالرغم من كل ذلك جرى استهدافنا".

في بيان صدر بعد ساعات من الحادثة آنذاك، قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف موقعاً عسكرياً تابعاً لحزب الله في حاصبيا، "كان ينشط منه عناصر مسلحون".

وأضاف البيان بأن الحادثة تُظهر أن القرب من "بنية تحتية إرهابية يشكل خطراً". وتابع: "بعد عدة ساعات من الضربة، وردت تقارير تفيد بإصابة صحفيين خلالها والحادثة قيد المراجعة".

أما لارا الهاشم، مراسلة تلفزيون إل بي سي إنترناشيونال، فترى أن الحرب الحالية مختلفة عن سابقاتها: "هذه الحرب غادرة، ومن الصعب توقع الأماكن التي يمكن أن تكون "أهدافاً" للجيش الإسرائيلي "لذا أنت كصحفية معرضة للخطر بأية لحظة".

الصعوبة الأخرى، بحسب الهاشم، تتمثل في عدم إمكانية توثيق الأزمة الإنسانية الكبيرة التي خلفتها الحرب "عن قرب" بسبب صعوبة الوصول لبعض مناطق الجنوب اللبناني التي تعرضت للقصف.

بلغ عدد قتلى الهجمات الإسرائيلية على لبنان منذ بدء الحرب الأخيرة 2,475 شخصاً على الأقل، بالإضافة إلى أكثر من 7,500 جريح، وفقاً للسلطات اللبنانية، بينما تجاوز عدد النازحين المليون شخص.

واندلعت هذه الجولة في الأشهر الأخيرة عقب مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي؛ إذ أعلن حزب الله إطلاق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل رداً على مقتل المرشد، ما أدى إلى اتساع المواجهة.

ورغم التوصل إلى هدنة في 17 نيسان/أبريل، لا تزال الخروقات مستمرة من الجانبين، خصوصاً في جنوب لبنان.

"سيناريو غزة في لبنان"

بحسب أحدث تقارير لجنة حماية الصحفيين، الذي نشر في فبراير/شباط الماضي، شهد عام 2025 مقتل "عدد قياسي من الصحفيين بلغ 129 صحفياً وعاملاً في مجال الإعلام حول العالم - في حصيلة تفوق أي عام آخر منذ بدأت اللجنة في جمع البيانات عام 1992"، بحسب التقرير.

وحمّلت اللجنة، ومقرّها نيويورك، إسرائيل مسؤولية مقتل "ثلثي العدد الإجمالي العالمي؛ إذ ارتكب جيش الدفاع الإسرائيلي عدداً من عمليات قتلٍ مستهدفة للصحفيين يفوق ما ارتكبته أي قوة عسكرية حكومية أخرى على الإطلاق – وكانت الغالبية العظمى من القتلى من الصحفيين الفلسطينيين والإعلاميين في غزة"، كما جاء في التقرير.

تقول سارة القضاة، المديرة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لبي بي سي نيوز، إن "الصحفيين والعاملين بالمجال الإعلامي والمؤسسات الإعلامية محميون بموجب القانون الدولي بصرف النظر عن انتماءات المؤسسات الإعلامية الحزبية أو السياسية".

وتضيف القضاة بأن "استهداف أي صحفي هو خرق للقانون الدولي ... الغائب اليوم هو العدالة. لم تكن هناك أي محاسبة لإسرائيل على أي عملية قتل قامت بها ضد الصحفيين".

ينفي الجيش الإسرائيلي استهداف الصحفيين عمداً، وقال المتحدث باسمه في تصريحات مكتوبة لبي بي سي نيوز إن الجيش "يحترم حرية الصحافة ودور الصحفيين".

وأضاف المتحدث بأن "أي ادعاء باستهداف الصحفيين عمداً بسبب مهنتهم هو ادعاء باطل تماماً ويتنافى كلياً مع قيَم الجيش الإسرائيلي وأوامره وسلوكه العملياتي" على حدّ تعبيره.

جاد شحرور، المسؤول الإعلامي في مؤسسة سمير قصير اللبنانية لحرية الصحافة، يقول إنه منذ بداية حرب غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023 "لاحظنا أن الحرب الإعلامية توازي الحرب العسكرية، " في إشارة لاستهداف صحفيين في غزة.

ويضيف شحرور: "للأسف اليوم سيناريو غزة ضد الصحفيين من قبل جيش الاحتلال يُنفذ في لبنان"، مشيراً إلى أن "إسرائيل تروّج إلى أن بعض الصحفيين في غزة يعملون لدى حركة حماس، وفي لبنان يقولون إن بعض الصحفيين يعملون لدى حزب الله، وبالتالي من المبرر استهدافهم".

ويتابع شحرور: "إن كان هناك عنوان لمهنة الصحافة في لبنان اليوم، فهو 'مهنة الموت'"، على حدّ تعبيره.

وفي ذلك، يقول المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي لبي بي سي، إن "بعض الصحفيين الموجودين في مناطق القتال قد يتعرضون للأذى دون قصد نتيجةً للقتال".

ويضيف بأنه في حالات أخرى "يعمل عناصر حزب الله العسكريون في الوقت نفسه كإعلاميين، وقد يُستهدفون بسبب دورهم كعناصر عسكرية"، على حدّ قوله.

غياب الشهود من "موقع الجريمة"

يعلق رامز القاضي، الذي غطى عدة حروب في لبنان وسوريا وأوكرانيا، أنه بالنظر لعدد الصحفيين الذين قتلوا ما بين غزة أو جنوب لبنان "ندرك أن استهداف الصحفيين لم يكن خطأ عابراً".

ويضيف القاضي بأن الصحفيين هم "شهود على ما يجري"، واستهدافهم يعني غياب هذه الشهادة من "موقع الجريمة"، على حدّ تعبيره.

آمال خليل، مراسلة صحيفة الأخبار اللبنانية، كانت آخر الضحايا الإعلاميين؛ وقد قُتلت يوم 22 أبريل/نيسان في غارة إسرائيلية كما أصيبت زميلتها المصورة زينب فرج، في جنوب لبنان.

وقد أثار استهداف خليل غضباً رسمياً واحتجاجات بين زملائها، الذين شيّعوها في اليوم التالي - مطالبين بفتح تحقيق في الحادث.

واتهمت السلطات اللبنانية إسرائيل باستهدافها عمداً، وبعرقلة وصول فرق الإغاثة إليها - الأمر الذي نفاه الجيش الإسرائيلي.

تصف لارا الهاشم ما حدث لآمال بأنه "من أبشع الجرائم؛ إذ لم يقتصر على استهداف الفريق، بل تعدّاه إلى محاصرته أيضاً". وتتساءل الهاشم: "أيّ رُعب وقهر وخوف عاشوه وهم يطلقون نداء استغاثة، بانتظار مَن ينقذهم!"

رولا إبراهيم، زميلة آمال في صحيفة الأخبار، ترى أن ما يزيد من الخوف هو عدم معرفة "إنْ كان من الآمن الإشهار بأنها صحفية"، على حدّ تعبيرها.

تقول إبراهيم "عندما تلبسين الخوذة والسترة المضادة للرصاص فأنت تفترضين أنها ستوفر لك حماية أكثر، لأن عليها كلمة 'صحافة'، لكن اليوم تُستهدَفين لهذا السبب"!

رئيس الجمهورية اللبناني جوزاف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام أدانا مقتل خليل؛ فقال سلام إن استهداف الصحفيين وعرقلة وصول فرق الإغاثة، "جرائم حرب".

وقال الجيش الإسرائيلي بعد مقتل آمال خليل في بيان إنه "لا يستهدف الصحفيين، ويعمل على الحدّ من إلحاق الأذى بهم مع الحفاظ على سلامة قواته".

وأضاف البيان بأنه رصد مركبتين غادرتا "منشأة عسكرية يستخدمها حزب الله"، مشيراً إلى أن إحداهما اقتربت من قواته بشكل اعتبره "تهديداً فورياً" بعد عبورها "خطاً دفاعياً متقدماً".

وأوضح بيان الجيش الإسرائيلي أنّ سلاح الجو استهدف إحدى المركبتين، إضافة إلى قصف المنشأة.

انتهاكات داخلية أيضاً

لا تقتصر التحديات التي يواجهها الإعلاميون في لبنان على النزاع العسكري؛ بل تمتد لتشمل التعقيدات السياسية الداخلية، على الرغم من تمتع لبنان بهامش حرية واسع مقارنة بالعديد من دول المنطقة.

وفي ذلك، تقول رولا ابراهيم - التي تغطي ملفات متعلقة بالفساد - إنهم في عملهم يتعرضون "لكثير من المضايقات وتكميم الأفواه."

وتضيف بأن "الحرية موجودة في لبنان إلى حد ما، لكن بإمكان أي أحد استخدام نفوذه في السلطة والأجهزة الأمنية ليقتادنا إلى التحقيق، ويقوم بتوقيفنا احتياطياً دون وجه حق".

ويدعم جاد شحرور، المسؤول الإعلامي في مؤسسة سمير قصير، هذا الطرح قائلاً إن "هناك تاريخاً طويلاً للصحفيين في لبنان مع الاستدعاءات القضائية والمضايقات ذات الطابع السياسي المرتبطة بنظام المحاصصة (الحزبي)".

ويستدرك شحرور بالقول إن وتيرة "الانتهاكات اليوم أخفّ من سابقاتها، نظراً لوجود حكومة جديدة في لبنان، وإنْ كان ذلك لا يلغي أن الصحفي اللبناني يعيش في ظروف صعبة".

وتؤكد سارة القضاة، من لجنة حماية الصحفيين، هذا الأمر؛ ففي سياق الحرب الدائرة، يواجه الصحفيون صعوبة في الوصول لبعض مناطق نفوذ حزب الله - كالضاحية الجنوبية والجنوب اللبناني، بسبب منعهم من قِبل عناصر الحزب.

وتشير القضاة إلى أن العديد من الإعلاميين كانوا يضطرون إلى "تقديم طلبات لحزب الله للذهاب لمناطق الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة لتغطية الأحداث، لكنهم تعرضوا للعرقلة".

وتضيف بأنه في حالات عديدة "تم احتجازهم لعدة ساعات، والاستحواذ على معداتهم الصحفية، وتفتيش أجهزتهم، وأيضاً توجهيهم لعدم الحديث عن بعض الأمور".

وتتابع القضاة بأن بعض الصحفيين أيضاً تمّتْ عرقلتهم من قبل المواطنين، نتيجة لـ"الخوف والضغوطات" التي يعيشون تحتها في ظل الظروف الحالية، وهو ما أكده بعض الإعلاميين الذين تحدثت إليهم بي بي سي.

في اليوم العالمي لحرية الصحافة...

"أحياناً أتساءل إن كان يجب أن أتوقف عن أداء هذه المهنة"، يقول علي مبتسماً، "لكنّ صوت كل غارة يستفزني لأكمل وأكمل. نحن بالنهاية أصحاب رسالة".

أما لارا الهاشم فتتمنى في اليوم العالمي لحرية الصحافة "ألا يكون الصحفيون جزءاً من تصفية الحسابات،" وتضيف: "بالنهاية، هذه مهنة، مهنة حرة".

تتفق معها رولا، التي تأمل بأن تكون هناك "حرية حقيقية في لبنان" في المستقبل. أما رامز، فلديه أمنية: "ألا يدفع أي صحفي، في لبنان أو العالم، حياته ثمناً لنقل خبر".