"قوية وجميلة": لماذا نحن جميعاً بحاجة إلى دهون الجسم؟

صدر الصورة، Getty Images
- Author, ميليسا هوغنبووم
- Published
- مدة القراءة: 7 دقائق
من إفراز الهرمونات إلى تنظيم حرارة الجسم، تؤدي الدهون أدواراً متعددة وأساسية. ولهذا فإن السعي إلى خفض دهون الجسم إلى مستويات شديدة الانخفاض قد يكون مضراً بالصحة.
لطالما نُظر إلى الدهون نظرة سلبية لسنوات عديدة، فثقافة الحمية الغذائية تحثنا على حرقها، وتسعى شركات أغذية إلى ترويج منتجات قليلة الدسم، كما تتبادل منتديات لكمال الأجسام نصائح حول كيفية الوصول إلى أدنى مستوى ممكن من دهون الجسم.
وما عليك سوى تصفح وسائل التواصل الاجتماعي للحظات حتى تعثر على نصائح حول كيفية الحصول على جسم "مُقسّم العضلات" أو ما يُسمى (shredded)، وهو مظهر يتميز ببروز العضلات بشكل فائق الوضوح.
وفي هذا العام، أبدى الخبراء قلقهم من عودة ظهور النزعة نحو النحافة المفرطة، وهي نزعة تتغذى في بعض الحالات على الرواج الكبير لأدوية إنقاص الوزن.
ومع أن تراكم الدهون الزائدة يثير مخاوف صحية وقد يؤدي إلى السمنة، إلا أن انخفاض مستوياتها عن الحد الطبيعي ليس أمراً جيداً لنا أيضاً، فقد أكد لي العديد من الخبراء أن السعي للتخلص من الدهون قد يكون ضاراً من الناحيتين البيولوجية والاجتماعية.
وتقول إليف أورال، اختصاصية الغدد الصماء وأستاذة الطب بجامعة ميشيغان: "علينا أن نتقبل دهون أجسامنا ونحبها، فهي تؤدي وظيفة بيولوجية بالغة الأهمية".
إذاً، ما هي كمية الدهون التي نحتاجها حقاً؟ ولماذا يُعد انخفاض نسبة الدهون في الجسم عن الحد المطلوب أمراً ضاراً بصحتنا؟
لماذا تُعد دهون الجسم مهمة؟
بشكل عام، هناك نوعان مختلفان من الدهون: الدهون الغذائية ودهون الجسم.
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
فالدهون الغذائية هي تلك التي تحصل عليها من خلال الطعام، بينما تُعد دهون الجسم وسيلةً طبيعية لتخزين الطاقة التي لا يحتاجها الجسم في الوقت الراهن.
فعند تناول وجبة ما، تتفكك الدهون الغذائية والكربوهيدرات والبروتينات الموجودة في الطعام إلى وحدات بنائية بسيطة يمكن للجسم استخدامها كمصدر للطاقة، إذ تتحول الكربوهيدرات إلى غلوكوز، والبروتينات إلى أحماض أمينية، والدهون إلى أحماض دهنية.
وإذا استمر الإنسان في تناول سعرات حرارية تفوق ما يستهلكه، تقوم الخلايا الدهنية المعروفة باسم "الخلايا الشحمية"، بتخزين هذه العناصر الغذائية الفائضة على هيئة دهون "ليبيدات"، مما يؤدي إلى تضخم حجم هذه الخلايا.
ومع ذلك، فقد أدركنا الآن أن دهون الجسم ليست مجرد مخزن ساكن وخامل، بل إنها مُساهمة فعالة في تنظيم وظائف الجسم.
وكما في قصة "غولديلوكس والدببة الثلاثة"، يعمل جسمنا بأفضل كفاءة عندما تكون الأمور "متوازنة ومناسبة تماماً"، فالنقص الشديد، تماماً كالزيادة المفرطة، يشكل خطراً على صحتنا.
ويقول ميكائيل رايدن، أستاذ أبحاث الأنسجة الدهنية السريرية والتجريبية في معهد كارولينسكا بالسويد: "يمكننا اعتبار دهون الجسم بمثابة مخزن متخصص، فهي تمتص العناصر الغذائية عندما تتوفر الطاقة بوفرة، وتطلقها فقط عند الحاجة إليها".
ويضيف أنه نظام ساعد أسلافنا على البقاء على قيد الحياة خلال فترات ندرة الغذاء.

صدر الصورة، Getty Images
ثمة دور مهم آخر يتمثل في عملية التواصل، إذ تنتج الخلايا الدهنية هرمونات تُطلع بقية أعضاء الجسم على مستويات الطاقة المتاحة ومدى شعورنا بالشبع.
وتوضح أورال أن هرمون "اللبتين" هو أكثر هذه الهرمونات خضوعاً للدراسة، مشيرة إلى أن "اللبتين يرسل إشارة إلى الدماغ تفيد بوجود مخزون كافٍ من الطاقة، مما يتيح للدماغ نوعاً من الاسترخاء"، وهذا بدوره يفسح المجال للجسم للتركيز على عمليات حيوية هامة، مثل التكاثر ومكافحة العدوى.
وفي غياب "اللبتين"، يبدأ الدماغ في القلق بشأن كمية الطاقة المتاحة، مما يؤدي إلى تراجع أولوية الوظائف الحيوية الأساسية.
كما تلعب دهون الجسم دوراً مهماً في الحفاظ على دفء الجسم، فبينما تعمل الدهون البيضاء على تخزين الطاقة الفائضة، فإنها تشكل أيضاً طبقة عازلة.
وفي المقابل، تحتوي الدهون البنية والبيج على خلايا متخصصة تحرق الطاقة لإنتاج الحرارة، ما يساعد الجسم في الحفاظ على درجة حرارته.
ماذا يحدث عندما يكون لدينا القليل من الدهون؟
من المعروف جيداً أن زيادة الدهون في الجسم تنطوي على عواقب صحية سلبية، تشمل زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والسكري من النوع الثاني، وأنواع معينة من السرطان، والتهاب المفاصل التنكسي (الفصال العظمي). ومع ذلك، فإن انخفاض مستويات الدهون بشكل كبير ليس أمراً جيداً أيضاً.
توضح جيسيكا ماونغ، وهي باحثة وطالبة دراسات عليا متخصصة في أمراض التمثيل الغذائي بجامعة ميشيغان، أن انخفاض دهون الجسم إلى مستويات متدنية للغاية، نتيجة لتقييد السعرات الحرارية بشكل حاد، يمكن أن يترك آثاراً عميقة على صحتنا ووظائفنا الحيوية، إذ تقول: "إن نقص الأنسجة الدهنية يؤدي إلى اختلال في وظائف الأعضاء والجسم".
وعندما يفتقر الجسم إلى الدهون الكافية، فإنه يستجيب بمحاولة الحفاظ على الطاقة، واضعاً نفسه فعلياً في حالة تشبه "المجاعة".
وتبدأ أجهزة الجسم في التوقف عن العمل بكفاءة، بما في ذلك جهاز المناعة. وفي ظل غياب أي مخزون متبقٍ، يبدأ الجسم في تكسير العضلات للحصول على الطاقة، كما تتوقف عمليات بناء العظام وترميمها.
ويؤدي ذلك إلى الوهن وزيادة خطر الإصابة بالكسور، حسبما يذكر فريدريك كاربي، أستاذ طب التمثيل الغذائي بجامعة أكسفورد.
ويضيف كاربي: "إنها ليست حالة صحية"، لا سيما أنها تترك الجسم بلا أي مخزون لمواجهة العدوى الشديدة أو غيرها من الحالات الطبية الطارئة.
كما يمكن أن يؤثر نقص دهون الجسم على الهرمونات والصحة الإنجابية، فالرجال الذين يصبحون نحيلين للغاية نتيجة لعدم حصولهم على كفايتهم من الغذاء لفترات طويلة، قد تنخفض مستويات هرمون التستوستيرون، وكذلك مستويات الطاقة والأداء البدني.
أما الرياضيات اللواتي لديهن نسبة منخفضة جداً من دهون الجسم، فقد يعانين من عدم انتظام الدورة الشهرية أو توقفها تماماً.
وقد أظهرت دراسات عديدة أن وجود وزن زائد في منتصف العمر ومراحله المتقدمة يرتبط بفرص أفضل للبقاء على قيد الحياة عند الإصابة بأمراض خطيرة.
فعلى سبيل المثال، ورغم أن الأشخاص الذين يعانون من السمنة هم أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، إلا أن احتمالية وفاتهم جراء هذه الأمراض أقل مقارنة بالأشخاص الأقل وزناً الذين يعانون من الحالة نفسها، وهي ظاهرة تُعرف باسم "مفارقة السمنة".
ويبدو أن وجود مخزون من الدهون يساعد الجسم على تحمل النوبات القلبية الخطيرة والسكتات الدماغية وغيرها من الأمراض الحادة، وفقاً لما ذكره أورال.
وفي الحالات القصوى، قد يؤدي نقص الدهون الحاد إلى عواقب صحية وخيمة أو حتى الوفاة، فعلى سبيل المثال، يمكن أن يتسبب اضطراب "فقدان الشهية العصابي" في تلف دائم للأعضاء أو الوفاة.
كم نحتاج من الدهون حقاً؟
قد يكون من الصعب قياس نسبة الدهون في جسمك بنفسك، وسنتناول هذا الأمر لاحقاً. كما لا توجد نسبة مئوية عالمية موحدة يمكن اعتبارها هدفاً للجميع، إذ تختلف الاحتياجات من شخص لآخر.
ومع ذلك، وكمؤشر عام، تتراوح نسبة الدهون في أجسام الرجال البالغين الأصحاء عادةً بين 10 في المئة و20 في المئة، بينما تتراوح لدى النساء البالغات السليمات بين 20 في المئة و29 في المئة. أما الأشخاص الذين يعانون من السمنة، فتتجاوز نسبة الدهون في أجسامهم 30 في المئة.
وفيما يتعلق بالنسبة المثالية، تقول رايدن: "من الصعب جداً تحديد نطاق دقيق، فهذه النسبة قد تختلف باختلاف الأشخاص والجنس والأعراق".
وعادةً ما تكون نسبة الدهون في الجسم أقل لدى الرياضيين.
وفي إطار أبحاثها، قامت تمارا هيو بتلر، وهي باحثة متخصصة في الأداء الرياضي بجامعة واين ستيت في ديترويت، وفريق عملها، بإجراء فحوصات لأكثر من 700 رياضي باستخدام جهاز "دكسا"، وهو جهاز يقيس تكوين الجسم بما في ذلك الدهون الداخلية.
وتقول الباحثة: "كانت أقل نسبة دهون رصدناها لدى الرياضيين هي 10 في المئة للرجال و16 في المئة للنساء".
وتضيف أن بعض المشاركين فوجئوا بهذه النتائج، نظراً لأن الرياضيين في الدراسة كانوا يتدربون بانتظام، وكانوا يعتقدون أن نسبة الدهون في أجسامهم منخفضة للغاية وتتراوح بين 1 في المئة و2 في المئة فقط.

صدر الصورة، Getty Images
كما أن مكان تخزين الدهون في الجسم يلعب دوراً مهماً، إذ تُعد الدهون الحشوية، المعروفة أيضاً بدهون البطن، ضارة للغاية عند تراكمها بكميات كبيرة.
وعلى عكس الدهون الموجودة تحت الجلد، تحيط الدهون الحشوية بالأعضاء الداخلية الحيوية وتفرز مواد كيميائية مسببة للالتهابات، ما يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، والتداخل مع عمل الإنسولين، وصعوبة تحكم الجسم في مستويات السكر في الدم، كما يزيد خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني.
كيف نقيس نسبة الدهون؟
هناك عدة طرق لقياس كمية الدهون في الجسم.
وتُعد فحوصات قياس امتصاص الأشعة السينية ثنائية الطاقة "ديكسا" لكامل الجسم أكثر الطرق دقة وتفصيلاً، إذ يمكنها التمييز بين دهون الجسم، وكتلة العضلات الخالية من الدهون، وكتلة العظام. ومع ذلك، تتطلب هذه الفحوصات معدات متخصصة وقد تكون تكلفتها مرتفعة.
ومن الاختبارات المنزلية الشائعة اختبار "ثنية الجلد"، حيث يتم قياس سُمك طبقة الدهون الموجودة مباشرةً تحت الجلد عن طريق قرصها باستخدام أداة قياس (ملقط خاص) مصممة خصيصاً لهذا الغرض.
غير أن هذه الأداة لا تقيس سوى سُمك ثنيات الدهون في مناطق محددة من الجسم، ولا يمكنها قياس الدهون الحشوية بشكل مباشر.
وعلاوة على ذلك، لا تُعد اختبارات ثنية الجلد دقيقة للغاية، وقد تعطي أرقاماً منخفضة بشكل مضلل.
وثمة خيار آخر متاح للاستخدام المنزلي يتمثل في استخدام الموازين الذكية.
وتعمل هذه الأجهزة عن طريق تمرير تيار كهربائي ضعيف عبر الجسم لتقدير كتلة الدهون، غير أن القراءات تتأثر بمستوى السوائل في الجسم، ولذا فهي لا تُعد دقيقة لقياس مستويات الدهون. كما أنها لا توضح أماكن تخزين الدهون في الجسم، ولا تميز بين الدهون الحشوية وأنواع الدهون الأخرى.
وفي الواقع، لا تُعد محاولة قياس مستويات الدهون بتفصيل دقيق أمراً ضرورياً للحفاظ على جسم سليم، إلّا أن هناك مقياسين يمكن أن يساعداك في الحفاظ على وزن صحي ومراقبة أماكن تخزين الدهون في الجسم.
يمكن لشريط القياس أن يمنحك فكرة سريعة عن ذلك، إذ تقيس نسبة محيط الخصر إلى الطول، كمية الدهون المتراكمة في منطقة البطن مقارنة بطول الشخص.
وبمجرد قياس محيط الخصر، يمكنك استخدام الحاسبة لتحديد هذه النسبة، علماً بأن النطاق الصحي يتراوح عادة بين 0.4 و0.49.
كما يمكن أن تعطي "نسبة محيط الخصر إلى الورك" مؤشراً جيداً، وللحصول على هذه النسبة، قم بقياس محيط الخصر عند مستوى السرة واقسم هذه القيمة على قياس أعرض جزء من الوركين.
وتُعتبر النسبة التي تتجاوز 0.90 للرجال و0.85 للنساء مرتفعة، حيث تشير زيادة الدهون حول الخصر إلى تراجع صحة التمثيل الغذائي "الأيض".
ومن الجدير بالذكر أن مؤشر كتلة الجسم (BMI) لا يُعد مقياساً دقيقاً لدهون الجسم، لأنه لا يميز بين الدهون والكتلة العضلية، فقد يسجل الأشخاص الذين يتمتعون بكتلة عضلية كبيرة ونسبة دهون منخفضة جداً مؤشراً مرتفعاً لكتلة الجسم.
وقد ترغب في إيلاء اهتمام أكبر لتكوين جسمك مع التقدم في العمر، إذ تميل كتلة الدهون لدينا إلى الزيادة بينما تنخفض مستويات العضلات والعظام.
ونظراً لأن ذلك قد يؤدي إلى آثار صحية سلبية، فمن المهم اتباع نظام غذائي جيد وممارسة التمارين الرياضية، بما في ذلك تمارين القوة.
ومع ذلك، ينبغي لنا أن ندرك أهمية الوظائف الحيوية التي تؤديها الدهون في أجسامنا، وألّا ننشغل بشكل مفرط بأهداف متطرفة تتعلق بالدهون.
فالأهم هو الحفاظ على الكمية المناسبة، بدلاً من السعي لخفضها إلى أدنى حد ممكن. أو كما تقول أورال: "نحن نؤمن بأن الدهون قوية وجميلة في آن واحد".
ميليسا هوغنبوم مراسلة أولى للشؤون الصحية في بي بي سي، ومؤلفة كتابي Breadwinners وThe Motherhood Complex.





























