بلوتوث: اسم تقنية وراءه قصة تاريخية تعود إلى ألف عام، فما هي؟

الملك هارالد غورمسون، الذي حكم الدنمارك في القرن العاشر الميلادي
    • Author, ليندسي غالواي
    • Role, بي بي سي
  • Published
  • مدة القراءة: 4 دقائق

يحكي حجران أثريان منقوشان بالكتابة الرونية في بلدة يلينغ الدنماركية قصة ملك الفايكنغ الذي أسهم في تشكيل الدنمارك، واستُلهم منه اسم تقنية "بلوتوث" التي نستخدمها اليوم لربط اتصال الأجهزة.

إذا كنت قد استخدمت من قبل الاتصال اللاسلكي لربط هاتفك بسماعات الرأس أو الكمبيوتر، فمن المحتمل أنك على دراية بالفعل باسم "بلوتوث"، بيد أن هذه التقنية، على الرغم من حداثتها، تستند في تسميتها إلى قصة تعود إلى ما يزيد على ألف عام، وتحديداً إلى ملك من ملوك الفايكنغ لا يزال إرثه ماثلاً في بلدة يلينغ الدنماركية الصغيرة، والتي تقع على بُعد نحو 250 كيلومتراً غرب كوبنهاغن.

في هذه البلدة، يروي حجران أثريان قصة هذا الملك وعهده، ويقدمان أول إشارة إلى الكيفية التي انتقل بها لقبه غير المألوف ليصبح اسماً لإحدى أشهر التقنيات استخداماً في العالم.

ملك الفايكنغ المعروف بلقب "بلوتوث"

حجرا يلينغ داخل زجاج للحفظ في منطقة عرض مفتوحة وتظهر في الخلفية مرتفعات خضراء
التعليق على الصورة، يسجل حجرا يلينغ تحوّل الدنمارك من حكم الفايكنج الوثني إلى مملكة مسيحية

كان الملك هارالد غورمسون، الذي حكم الدنمارك في القرن العاشر الميلادي، يحمل لقب "بلوتوث"، في اللغة النوردية القديمة، وقد سُجّل هذا اللقب للمرة الأولى بعد 150 عاماً من وفاته، ويُعتقد أنه كان إشارة إلى سنّ "زرقاء" أو سنّ متعفنة.

كان تحول الدنمارك إلى المسيحية أحد أبرز إنجازات هارالد وأكثرها تأثيراً، ويُعتقد أن ذلك حدث نحو عام 965 ميلادياً، وينص الحجر الأثري الأكبر من بين حجري يلينغ، والذي أمر هارالد بإقامته، على أنه "أخضع لنفسه كل الدنمارك والنرويج وجعل الدنماركيين مسيحيين"، كما يحمل إحدى أقدم صور المسيح المعروفة في إسكندنافيا.

وحتى ذلك الوقت، كانت مناطق واسعة من شمال أوروبا مقسمة إلى أقاليم أصغر يحكمها زعماء محليون، وأتاحت المسيحية لهارالد وسيلة لتوطيد السلطة، وتعزيز صلات الدنمارك بأوروبا المسيحية، والمساعدة في توحيد الدولة التي كانت آخذة في التشكل.

ويقول آدم باك، أمين متحف في مركز ومتحف تجربة ملوك يلينغ: "إنها عملية بناء الدولة في الدنمارك بعد 200 عام من عصر الفايكنغ، إذ كان أمام سكان الشمال منحنى تعلّم شديد الانحدار إلى حد ما. فقد أصبحوا متمرسين في أشكال مختلفة من السياسة في أوروبا، وفي إدراك ما يمكن للمسيحية أن تقدمه لهم، وفي مركزية السلطة داخل الدولة".

لماذا تكتسب يلينغ أهمية؟

مشهد عام لكنيسة يلينغ وتلال الدفن والأحجار والموقع جزء من أول موقع للتراث العالمي لليونسكو في الدنمارك
التعليق على الصورة، تُشكّل كنيسة يلينغ وتلال الدفن والأحجار جزءاً من أول موقع للتراث العالمي لليونسكو في الدنمارك

تتجسد قصة هارالد في معالم يلينغ، فقد أمر والده، غورم، بنصب أصغر حجري يلينغ وأقدمهما، تخليداً لذكرى زوجته، ثيرا، ويُعتقد أن هذا الحجر يتضمن أول استخدام مكتوب لاسم "الدنمارك" داخل البلاد.

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

وتقول آن هافغارد ميكلسن، وهي من سكان فييله القريبة: "نحن نسميه شهادة ميلاد الدنمارك"، وبناء على ذلك تكون يلينغ مسقط ميلادها.

وعلى الرغم من أن عدد سكانها اليوم يبلغ 4 آلاف نسمة فقط، فإنها كانت مقر السلطة في عهد هارالد بلوتوث، وكانت في الأصل موقعاً للدفن الوثني، ثم تحولت يلينغ في عهد هارالد إلى مكان تداخلت فيه التقاليد الوثنية والمسيحية.

واليوم تحدد أعمدة بيضاء مسار السور الخشبي الذي كان يحيط بمعالم بلدة يلينغ، فيما ترسم مئات العلامات حدود مخطط هائل على هيئة سفينة، ربما كان مكرساً للزوجة ثيرا.

ويكتمل المشهد باثنين من تلال الدفن وكنيسة مسيحية، وهي عناصر يقول باك إنها تتعلق بدرجة أقل بـ"محاربي الفايكنغ الأقوياء وثور وأودين"، وبدرجة أكبر بـ"السياسة والتحوّل، والانتقال من شيء أقدم إلى شيء جديد".

وفي عام 1994، أصبحت تلال بلدة يلينغ، والحجران الأثريان، والكنيسة أول موقع دنماركي يُدرج ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وفي مركز زوار ملوك يلينغ القريب، تستعرض المعارض التفاعلية التحوّل من معتقدات الفايكنغ إلى المسيحية، بينما يُحفظ الحجران، حجر تعميد الدنمارك وشهادة ميلادها، خلف الزجاج.

من ملك الفايكنغ إلى "بلوتوث"

شعار بلوثوث يجمع الأحرف الأولى من اسم هارالد بلوتوث
التعليق على الصورة، يجمع شعار بلوتوث بين الأحرف الرونية التي تمثل الأحرف الأولى من اسم هارالد بلوتوث، وهما H و B

بعد أكثر من ألف عام، كانت سمعة هارالد بوصفه موحّداً للبلاد ستمنح اسمه حياة ثانية غير متوقعة.

ففي أواخر تسعينيات القرن العشرين، كان مهندسون من شركات، من بينها "توشيبا"، و"آي بي إم"، و"نوكيا"، و"إنتل"، و"إريكسون"، يطوّرون تقنية جديدة يمكنها ربط الأجهزة عبر علامات تجارية مختلفة، وكانوا بحاجة إلى اسم رمزي.

وكان جيم كارداش، المهندس الأمريكي في شركة "إنتل"، يتعاون مع مهندسين سويديين عندما دار الحديث حول الفايكنغ، وأثار الأمر فضوله، فانغمس في قراءة كتاب عن التاريخ (معروض في مركز ملوك يلينغ)، وأصبح معجباً بالملك الذي وحّد الدنمارك والنرويج، تماماً كما يمكن لهذه التقنية الجديدة أن توحّد أجهزة مختلفة.

وتسرّب الاسم الرمزي قبل إعداد البيان الصحفي الرسمي، لتصبح بقية القصة جزءاً من تاريخ التكنولوجيا.

ويقول باك: "اشمئز مسؤولو العلاقات العامة من الاسم لأنهم ربطوا كلمة (بلوتوث) بعدم نظافة الأسنان. وكانوا قلقين جداً بشأن ذلك، ولديهم جميع أنواع الأسماء المختلفة التي كانت أفضل في توضيح ماهية المنتج، لكنها كانت أكثر مللاً بكثير، وقد حقق اسم (بلوتوث) نجاحاً كبيراً لأنه كان اسماً مميزاً للغاية".

كما أسهم شعارها المستوحى من الأحرف الرونية في ترسيخ الاسم واستمراره، ويجمع الرمز الشهير واسع الانتشار بين الرمز الروني النوردي للحرفين "H" و"B"، تكريماً لهارالد بلوتوث.

وفي عام 2023، بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين للتقنية، سافر كارداش ومؤسسون آخرون إلى مركز ملوك يلينغ لتقديم "اعتذار" على سبيل الدعابة عن استخدام اسم هارالد من دون إذن، وقبل المتحف بدوره الاعتذار، ومنحهم الإذن بمواصلة استخدام الاسم طوال الألف عام المقبلة.

ويقول باك: "كان هارالد يحب إظهار مكانته، وأعتقد أنه كان سيشعر بسعادة كبيرة لو علم أن مليارات الأشخاص يذكرون اسمه يومياً اليوم".