تيتانيك: قصة الرجل الأسود الوحيد على متن السفينة

صورة عائلية تضم لاروش أقصى اليمين وإلى جواره تقف زوجته جولييت لافارغ والطفلتان سيمون ماري آن أندريه لاروش ولويز لاروش
التعليق على الصورة، كان جوزيف فيليب ليميرسييه لاروش الراكب الأسود الوحيد المسجل على متن السفينة تيتانيك
    • Author, جورجي دوكر
    • Role, بي بي سي
  • Published
  • مدة القراءة: 5 دقائق

في العاشر من أبريل/نيسان عام 1912، أبحرت السفينة الأكثر تقدّماً من الناحية التقنية على الإطلاق، آنذاك، في رحلتها الأولى من ساوثهامبتون.

وكان على متن السفينة "آر إم إس تيتانيك" 2201 شخص في طريقهم إلى نيويورك، حين اصطدمت بجبل جليدي في شمال المحيط الأطلسي وغرقت بعد أربعة أيام.

ورُويت هذه المأساة مرات لا تُحصى وفي أشكال متعددة، من تقارير صحفية معاصرة للأحداث إلى تقديم فيلم ضخم من إنتاج هوليوود بطولة النجم ليوناردو دي كابريو.

بيد أن قصة أحد الضحايا، من بين نحو 1500 شخص يُقدَّر أنهم لقوا حتفهم في الكارثة، ظلت منسية حتى صادف أن زارت عالمة اجتماع متحفاً في ليفربول.

كان جوزيف فيليب ليميرسييه لاروش الراكب الأسود الوحيد الذي تُوثّق المصادر وجوده على متن تيتانيك في رحلتها الأولى.

فمن كان هذا الرجل؟ وما تقلبات القدر المشؤومة التي أدّت إلى أن يصعد هذا الشاب، البالغ من العمر 25 عاماً، وعائلته على متن سفينة شركة "وايت ستار لاين" التي كان يُعتقد أنها "لا تغرق"؟

وُلد لاروش سنة 1886 في مدينة كاب هايتيان، الواقعة في هايتي.

كان لاروش الحفيد الرابع لجان جاك ديسالين، أول إمبراطور لهايتي، وقائد حرب الاستقلال الهايتية ضد الحكم الاستعماري الفرنسي.

نشأ لاروش في عائلة تمتعت بمكانة اجتماعية وثروة. وفي سن الخامسة عشرة، سافر إلى فرنسا برفقة معلّم خاص، لتلقي تعليم جامعي في الهندسة.

وبعد ما يزيد قليلاً على عشر سنوات، فارق لاروش الحياة، وكان الشخص الأسود الوحيد الذي تُوثّق المصادر أنه أبحر على متن سفينة تيتانيك، ولم يُعثر على جثمانه مطلقاً.

صورة فوتوغرافية للسفينة تيتانيك
التعليق على الصورة، اصطدمت السفينة آر إم إس تيتانيك بجبل جليدي في 14 أبريل/نيسان 1912 وغرقت
تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

أخيراً، حظيت قصة لاروش بالبحث والدراسة على يد الأكاديمية، كارليت نوروود، التي اكتشفت قصته مصادفة أثناء زيارة المتحف البحري في ليفربول.

وقبل عامين، كتبت هذه الأكاديمية، المولودة في العاصمة الأمريكية واشنطن، مسرحية تتناول قصته، وهي مخرجتها أيضاً.

وأجرت بي بي سي مقابلة مع نوروود قبيل العرض المسرحي الأول للعمل في ليفربول، المقرر في 17 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بغية استعراض القصة المعقدة لحياة رجل واحد، من بدايات متميزة، مروراً بقصة حب اتسمت بالشجاعة، ثم إلى نهاية مأساوية.

وصل لاروش إلى فرنسا عام 1901، أي قبل أقل من 50 عاماً على إلغاء الرق في المستعمرات الفرنسية.

واستطاع أن يصبح مهندساً بعد دراسته الجامعية في مدينة بوفاي، القريبة من باريس.

وتقول نوروود: "بالنسبة لرجل أسود في فرنسا خلال أوائل القرن العشرين، كانت العنصرية متفشية للغاية".

وتضيف: "في ذلك الوقت، كان الفرنسيون لا يزالون يؤمنون بالفعل بأن الأشخاص من أصحاب البشرة السوداء لهم ذيول".

وتضيف: "واجه (لاروش) الكثير من التوترات العرقية هناك".

وعلى الرغم من التحديات التي كان من الممكن أن يواجهها زوجان ينتميان إلى عرقين مختلفين في فرنسا آنذاك، التقى لاروش جولييت لافارغ، وهي امرأة فرنسية بيضاء، وتزوجها.

وتقول نوروود عنها: "لا بد أنها كانت امرأة استثنائية، حتى تمتلك الشجاعة الكافية للدخول في علاقة مع رجل أسود خلال تلك الفترة".

وتضيف: "لم يكن هذا كل شيء، بل إن عائلتها دعمتها أيضاً، إذ كانت تعيش مع والدها".

صورة فوتوغرافية للاروش
التعليق على الصورة، بعد 11 عاماً قضاها لاروش في فرنسا، صعد على متن تيتانيك عازماً على العودة إلى هايتي مع عائلته الصغيرة

وتقول نوروود: "نعلم أن لاروش ولافارج حظيا بالدعم، وهو ما تبرزه رسالة باقية كتبتها لافارج إلى والدها بشأن لاروش. كان والدها أكثر اهتماماً بمستواه التعليمي من اهتمامه بلون بشرته".

رُزق الزوجان ابنتين، هما سيمون ماري آن أندريه لاروش ولويز لاروش، وُلدتا في عامي 1909 و1910 على التوالي.

بيد أن لاروش لم يلبث أن بدأ التخطيط للعودة بأسرته إلى وطنه في هايتي.

وتقول نوروود: "استطاع لاروش الحصول على شهادته الجامعية، رغم معاناته في الحفاظ على استمراره في العمل".

وأضافت: "كان يتعرض للفصل من عمله في كثير من الأحيان، أو يواجه إساءات عنصرية بالغة عندما يتمكن من الحصول على وظيفة".

كانت الأسرة قد خططت لمغادرة فرنسا في أواخر عام 1912، إلا أنها قررت تقديم موعد الرحيل عندما حملت لافارغ بطفلهما الثالث.

وأوضحت نوروود: "لم يكن يريد (لاروش) أن يولد الطفل وينشأ في فرنسا".

وأضافت: "كان يرغب في العودة إلى هايتي، إذ كان وثيق الصلة بوالدته للغاية، وكان يفتقدها".

وذكرت نوروود أن لافارغ كانت تشعر بالقلق إزاء ترك والدها الأرمل في فرنسا.

لكن قرار عائلة لاروش حُسم عندما رتّب له عمّه سينسيناتوس لوكونت الذي كان يشغل منصب رئيس هايتي آنذاك - وظيفة مدرس للرياضيات.

"تدخل القدر"

بوستر دعائي مرسوم بالألوان للسفينة تيتانيك وهي تبحر في المياه
التعليق على الصورة، صعدت عائلة لاروش على متن السفينة تيتانيك في العاشر من أبريل/نيسان 1912

لكن كيف انتهى الأمر بالأسرة على متن تيتانيك؟

من قرار مغادرة فرنسا قبل الموعد المحدد، إلى حجز تذاكر على متن سفينة أخرى، ثم الاقتراب من تفويت موعد المغادرة، تقول نوروود: "لم يكن من المفترض أن يكون على متن تلك السفينة".

وتضيف: "أرسلت والدة لاروش إلى الأسرة تذاكر سفر من الدرجة الأولى على متن السفينة إس إس فرانس. لكن عندما علموا أن الأطفال لن يُسمح لهم بتناول الطعام مع والديهم على متن إس إس فرانس، استبدلوا تذاكر الدرجة الأولى بتذاكر سفر من الدرجة الثانية على متن تيتانيك".

وجاء منعطف آخر من منعطفات القدر عندما كانت الأسرة تحاول الصعود إلى سفينة شركة "وايت ستار لاين" المنكوبة.

كان من المقرر أن ترسو تيتانيك في ميناء شيربورغ بفرنسا، لكن حجمها كان أكبر من أن يسمح لها بدخول الميناء.

وبناء على ذلك نُقل الركاب الذين كانوا سيصعدون إلى تيتانيك من شيربورغ على متن سفينة مخصّصة لنقل الركاب إلى السفن الكبيرة، هي "إس إس نوماديك".

صورة لاروش على خلفية صفراء ومكتوب فوق صورته بحجم كبير اسم لاروش وتوجد صورة متداخلة مع صورته للسفينة تيتانيك
التعليق على الصورة، من بين 285 راكباً من الدرجة الثانية على متن سفينة تيتانيك، كان لاروش واحداً من 167 شخصاً لقوا حتفهم

تقول نوروود: "كان عليهم أن يستقلّوا قارباً للوصول إلى السفينة".

وتضيف: "تعرّض القارب الذي كانوا يستقلّونه لمشكلة في المحرك، وكادوا ألّا يستطيعوا ركوب السفينة".

وتابعت: "إنه حقاً تدخل القدر".

اصطدمت تيتانيك بجبل جليدي في نحو الساعة 23:40 يوم 14 أبريل/نيسان 1912.

أيقظ لاروش زوجته، وجمعا بعض المقتنيات الثمينة، ثم حملا طفلتيهما النائمتين إلى السطح العلوي للسفينة.

وتمكنت لافارغ، التي كانت حاملاً، وابنتاها من الصعود على أحد قوارب النجاة، وأنقذتهما سفينة "آر إم إس كارباثيا" في اليوم التالي.

ولا تتوافر معلومات مؤكدة عمّا حدث لجوزيف.

الأكاديمية كارليت نوروود
التعليق على الصورة، تقول كارليت نوروود: "من المهم إيصال هذه القصة إلى الأشخاص الذين لا يعرفون إرثهم الخاص"

ترى نوروود أن أهمية تقديم قصة لاروش "بدون تزيين" تتجاوز مجرد استكشاف تاريخ فرد واحد.

وتقول: "إنها قصة تهم الجميع، لأنها تشكل جزءاً من إرث تيتانيك".

وتضيف: "لكن بالنسبة إلى السود، فإن كثيرين منّا يجهلون تاريخهم، فبسبب نظام العبودية الذي كان قائماً على امتلاك البشر، لم تُحفَظ السجلات، ونحن نعاني نقصاً في معرفة ماضينا وهويتنا التاريخية".

وتقول نوروود: "تُسلط قصص مثل قصة لاروش الضوء على وجود شخصيات بارزة من السود تستحق أن تُروى، وتؤكد أننا نتجاوز بكثير تاريخ العبودية. فقد كان هناك أناس يحققون الازدهار وينجحون نجاحاً كبيراً. إنها قصة تربطنا بماضينا".

وتضيف: "قد لا تكون لنا صلة قرابة مباشرة بجوزيف لاروش، لكننا نستطيع أن نجد في قصته ما يجعلنا نتعاطف معه ونشعر بالارتباط به".

وسيُقدَّم العرض المسرحي بعنوان "لاروش" في المتحف البحري بمدينة ليفربول يوم السبت 17 أكتوبر/تشرين الأول.