"زوجة وأم، لكن عزباء رسميا"، صعوبات تواجه تسجيل عقود زواج البهائيين في مصر

- Author, سلمى خطاب
- Role, بي بي سي نيوز عربي- القاهرة
- مدة القراءة: 6 دقائق
تزوجت حنان، وهي بهائية مصرية، بعقد زواج عرفي قبل نحو نصف قرن، إذ لا تعترف الحكومة المصرية بعقود زواج البهائيين المثبت فيها ديانتهم.
وبعد سنوات طويلة من المحاولات، استطاعت توثيق عقد زواجها، لكن عند تجديد بطاقة هويتها عام 2018، فوجئت بتغيير حالتها الاجتماعية في جميع الأوراق الرسمية إلى "عزباء".
لجأت حنان إلى القضاء، لكن بعد نحو ثماني سنوات، رفضت محكمة النقض المصرية، وهي أعلى سلطة قضائية في البلاد، إثبات عقد زواجها، موضحة في حيثيات الحكم أن الدولة المصرية لا تعترف سوى بالأديان السماوية الثلاثة: الإسلام والمسيحية واليهودية.
وتواجه حنان اليوم تحديات على مستويات عديدة، بعد حذف صفتها كزوجة وأم لطفلين من الأوراق الرسمية.
والبهائية ديانة توحيدية مستقلة تأسست في القرن التاسع عشر في إيران على يد حسين علي المازندراني، المعروف باسم "بهاء الله"، والذي أصدرت السلطات الإيرانية حكماً بإعدامه، نُفذ رمياً بالرصاص في مدينة تبريز عام 1850.

بداية القصة
في بداية زواجها عام 1981، سافرت حنان كمال، وهي ربة منزل، مع زوجها إلى الخارج للعمل، وكلاهما من البهائيين.
ووثّقت حنان عقد زواجها في الخارج، وعند عودتها إلى مصر حاولت توثيق العقد مجدداً، لكن لم يُسمح لها إلا بالحصول على عقد مثبت فيه الديانة "مسلمة".
وتقول حنان في حديثها إلى بي بي سي: "استلمنا هذا العقد، لم يكن أمامنا خيار آخر. حاولنا مراراً تغييره دون جدوى، حتى عام 2009، بعدما سُمح للبهائيين بوضع شرطة في خانة الديانة، حينها تمكنت من الحصول على بطاقة هوية مثبت فيها الديانة شرطة، وتحمل اسم زوجي".
لكن عند تجديد بطاقة هويتها عام 2018، عادت الحالة الاجتماعية لحنان إلى "عزباء"، كما صدرت بطاقة هوية زوجها بالحالة الاجتماعية نفسها.
وتضيف حنان: "توجهنا إلى القضاء، وبالفعل أثبتت المحكمة عقد الزواج، لكن وزارتَي العدل والداخلية قدمتا طعناً على الحكم أمام محكمة النقض، التي رفضت في حكمها النهائي إثبات العقد".
وقالت محكمة النقض في حيثيات حكمها، وهو حكم نهائي بات لا يمكن الطعن ضده، إن إثبات الزواج بين المنتمين إلى البهائية يعد "مخالفة صريحة للنظم المستقرة"، وإنه لا يجوز قيد البهائية كديانة في أي مستندات رسمية تصدر عن الدولة.
كما أضافت المحكمة أن "هناك فرقاً بين حرية العقيدة المكفولة في الدستور المصري، وبين الآثار القانونية الناجمة عن هذه العقيدة، وأن البهائية تخرج عن الأديان السماوية، ومباشرتها تتعارض مع النظم المستقرة للدولة، فلا يجوز قيدها لا في مستندات الأحوال المدنية ولا في أي مستندات رسمية تصدرها الدولة ويكون ضمن بياناتها البيان الخاص بالديانة".
وترى حنان أن عدم وجود إثبات رسمي للزواج يؤثر على جوانب عديدة من حياتها، قائلة: "في حالة وفاة زوجي لن أتمكن من الحصول على معاش (راتب شهري تتقاضاه الأرملة حال وفاة الزوج)، وإذا احتاج أولادي إلى مساعدة في أوراقهم الرسمية، لا يمكنني إثبات أنني والدتهم، إضافة إلى مواقف محرجة وارتباك لا ينتهي في التعاملات الرسمية ومع البنوك وغيرها"، وتضيف: "وضع لا يشعرني بالأمان إطلاقاً".

"زوجتي اختفت من الأوراق الرسمية"
أحمد حلمي بهائي مصري أخر، استغرق سنوات طويلة لإثبات عقد زواجه الذي أُبرم بشكل عرفي، ثم استخراج شهادات ميلاد لطفليه. وبعد نحو 15 عاماً، أقرت محكمة الأسرة بصحة عقد الزواج، إلا أن بيانات زواجه اختفت مجدداً من الأوراق الرسمية منذ نحو ثلاث سنوات.
ولا يتمكن البهائيون في مصر من إبرام عقود زواج تحمل ديانتهم، لذلك يلجأون إلى الزواج بعقود عرفية دينية غير موثقة، يوقع عليها أفراد عائلتي الزوجين، ثم يحاولون إثباتها عبر القضاء.
ويلجأ كثير منهم إلى السفر للخارج لتوثيق عقود الزواج، وهو ما فعله أحمد، إذ سافر إلى تونس بعد إبرام عقد زواجه عام 2004 بهدف توثيقه.
لكن أحمد، الذي كان يعيش خارج مصر، لم يتمكن من إثبات زواجه في مصر حتى عام 2020، بعدما لجأ إلى القضاء وحصل على حكم مبدئي بإثبات عقد الزواج، كما تمكن من استخراج شهادة زواج رسمية، لكن بيانات عائلته اختفت مجدداً من السجلات الرسمية بداية من عام 2023.
ويقول حلمي في حديثه إلى بي بي سي: "بعدما سمعت ما حدث مع العديد من العائلات البهائية عند تجديد بطاقات هويتهم، بدأت أبحث للتأكد من استمرار تسجيل عائلتي في الأوراق الرسمية"، ويضيف: "حين أبحث عن عائلتي عبر بوابة مصر الرقمية لا تظهر، وبعد فترة ظهرت أسماء أبنائي فقط، بينما لا يظهر اسم الزوجة".
ويتابع: "شخص ما قرر أن يمحو اسم زوجتي من السجلات".
وتُعد بوابة مصر الرقمية إحدى المنصات الرسمية للحكومة المصرية، التي يتمكن المواطنون عبرها من استخراج بعض الأوراق الثبوتية والحصول على العديد من الخدمات الحكومية.

نزاعات قضائية مستمرة
خلال العشرين عاماً الماضية، خاض البهائيون في مصر عدة نزاعات قضائية من أجل استصدار أوراق رسمية تُثبت فيها البهائية كديانة، وكان أبرزها في عام 2009، حين سمح لهم القضاء بإصدار بطاقات هوية يوضع فيها شرطة في خانة الديانة.
واعتبر هذا الحكم حينها انتصاراً، لكن الشكاوى استمرت بشأن رفض توثيق عقود الزواج وإصدار الوثائق الرسمية، غير أن الحكم النهائي لمحكمة النقض الصادر هذا الشهر قضي بأنه نه لا يجوز قيد البهائية كديانة في أي مستندات رسمية تصدر عن الدولة. كما ترفض الحكومة المصرية تخصيص أراضٍ لدفن البهائيين، باستثناء مقبرة واحدة في منطقة البساتين بالقاهرة.
وتقول سوسن حسني، وهي كاتبة بهائية، إن "الشعور العام لدى البهائيين حالياً يحمل قدراً من الاستياء وعدم الطمأنينة، ونحن نحاول دائماً الوصول إلى الجهات الرسمية لإيجاد حلول، فنحن كبهائيين مطيعون".
وتضيف: "طالما هناك حكم بإصدار بطاقات هوية تحمل شرطة، فلا بد من وجود تشريع ينظم هذه الشرطة، وألا تُترك الأمور على هذا النحو".
"إفراغ للمكاسب"
وفي حديثها إلى بي بي سي، تقول مارينا سمير، مسؤولة الملف الديني في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إن الحكم بإصدار بطاقات هوية دون ديانة "أُفرغ من معناه كمكسب"، مضيفة: "بات الحكم يُستخدم كأداة للتمييز، سواء على المستوى الاجتماعي، من خلال رفض توظيف البهائيين، أو على المستوى الرسمي".
وتوضح مارينا أن أزمة عقود الزواج مستمرة منذ عام 2017، وأن العديد من الأسر البهائية لجأت إلى محكمة الأسرة لإثبات عقود زواجها. وحصل بعضهم على أحكام بإثبات الزواج، استندت في حيثياتها إلى تحقق شروط الزواج وفقاً لمذهب أبي حنيفة، استناداً إلى قانون الأحوال الشخصية لعام 2000، بينما رفضت محاكم أخرى توثيق العقود.
وتقول الباحثة: "إثبات المحكمة لعقود الزواج لا يخلق هذا الواقع، فالواقع أن هؤلاء الأشخاص متزوجون، لكن إثبات العقد قانونياً يحفظ حقوقهم"، موضحة أن عدم إثبات الزواج يؤثر على الميراث، والتسجيل في المعاشات والتأمينات الصحية، والتعامل مع البنوك والمدارس كأزواج، إضافة إلى تأثيره على بعض الأزواج البهائيين المتزوجين من غير المصريين، في ما يتعلق بالحصول على أوراق الإقامة القانونية ومنح الجنسية للأبناء.
ما هي البهائية؟
وتؤكد البهائية على وحدة الله، ووحدة الأديان، ووحدة الجنس البشري، وتعتبر أن الأنبياء، مثل موسى وعيسى ومحمد وبوذا وبهاء الله، هم "مظاهر إلهية" تظهر عبر التاريخ لتوجيه البشرية.
ويمارس البهائيون طقوسهم وعباداتهم، مثل الصلاة والمناجاة، بشكل فردي أو ضمن تجمعات خاصة بعيداً عن الإعلام، ولا يمتلكون دور عبادة رسمية كالمساجد أو الكنائس.
وتوجد أكبر التجمعات البهائية في الهند وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، إضافة إلى وجود معتبر في الولايات المتحدة وكندا.
ويعود تاريخ البهائية في مصر إلى عام 1868، إذ بدأت الدعوة إليها عبر مهاجرين إيرانيين وتجار سجاد خلال ستينيات القرن التاسع عشر.
ولا يوجد رقم رسمي لعدد البهائيين في مصر، لكن وزارة الخارجية الأمريكية قدّرت أعدادهم بما يتراوح بين ألف وألفي شخص، في تقرير الحريات الدينية الصادر عام 2005.






























